skip to content
Skip to content

إقرأ أيضاً

أعراض مرض الديمقراطية تسبق اغتيال ترامب
ap24196042886688-1
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
إصلاحيون تحت عمامة خامنئي
b954816d-401f-44e3-9f1b-01f2fefe0bb7
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
استثمار زائف في ديمقراطية مملة
element5-digital-T9CXBZLUvic-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
ازدراء الحقائق في العراق الأمريكي الإيراني
R
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
عزلة جو بايدن الأوروبية
AP21166435923906
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
أوروبا المحبطة أمام خطر مميت
Olaf-Scholz-et-Emmanuel-Macron-a-la-Sorbonne-a-Paris-le-22-janvier-2023-1562355
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
American Fiction عن زمن التفاهة
Colette Bahna 2
كوليت بهنا
March 22, 2024
مشهد من الفيلم
كوليت بهنا -

للوهلة الأولى قد يوحي عنوان فيلم (خيال أميركي) لمشاهد لم يقرأ عنه مسبقاً أنه مقدم على متابعة أحد أفلام الخيال العلمي التي تنتجها هوليوود بالعشرات كل عام، لكنه إيحاء سرعان ما سيتبدد مع سياق فيلم مغاير كلياً وإن لعب الخيال فيه دوراً رئيساً، وهو هنا خيال أحد الكتّاب من صنّاع الروايات، سيسخر خياله هذه المرة ليس لغزو الفضاء أو ابتكار شخصية خرافية، بل لامتحان ذاته ومكانته الأدبية في مواجهة مغامرة معقدة تبتدىء بمزاح أدبي وتنتهي بحقيقة صادمة ضمن عالم شديد التعقيد والتركيب.

منذ انطلاقه عام 2023، حصد الفيلم على جوائز دولية رفيعة، توجها مؤخراً بجائزة أفضل سيناريو مقتبس عن عمل أدبي في حفل الأوسكار بدورته 96 الأخيرة قبل أيام. وهو سيناريو كتبه مخرج الفيلم كورد جيفرسون مقتبساً عن رواية (إيراشور) الصادرة سنة 2021 لمؤلفها الروائي والبرفيسور بيرسيفال ايفيريت، وتعني باللغة العربية إمحاء، شطب، محق، مسح، محو. وهي معان ستصب بمعنى واحد يتجلى واضحاً مع سياق الأحداث لتنتهي جميعها بزوال الذات في مواجهة التفاهة.

الحكاية هنا كما في الرواية التي تبدو أنها سيرة معاناة ذاتية لمؤلفها، عن روائي ومدرس للآداب من البشرة السمراء، يعاني من عدم الشهرة وكساد كتبه رغم مستواها الأدبي الرفيع. وهي معضلة يعاني منها العديد من كتاب العالم رغم جودة نتاجهم الأدبي. بل يمكن أن يعمم الأمر هنا على العديد من المبدعين في العالم، الذين يتمتعون بمواهب استثنائية واحترافية، لكنهم لا يحظون بالشهرة التي يحظى بها العديد من نجوم الأدب والفن والثقافة من عديمي الموهبة.

لتخطي هذه المعضلة، سيقف المبدع الحقيقي أمام امتحان قاس، فإما أن يتابع طريقه وإبداعه وصدقه ويموت دون أن يعيره أحد أي انتباه أو تقدير، أو ينخرط في العالم الحقيقي المعاصر الذي يقاد من قبل أصحاب رؤوس أموال وشركات ودور نشر ومؤسسات إعلامية وشركات إنتاج فني وموسيقي وغيرها، تفرض معاييرها الخاصة التي تقررها في الظل، وتتمحور معظمها بما يمكن تسميته بـ(تتفيه) القيم والمبادئ والأصول والأساسيات، في مقابل طرح ما تدعيه أنه يناسب السوق والجمهور.

معضلة وإن كانت تعمم على جميع مبدعي العالم اليوم غير المشهورين في مواجهة عالم (التريند)  وصناعة النجوميات الفارغة والفقاعات التي يمتلىء بها عالمنا الحقيقي وعالم السوشال ميديا، إلا أنها في الفيلم هنا تؤطر بشكل خاص حول معاناة ذوي البشرة السوداء، أو العنصرية بشكل مبطن، والتي سخرها المؤلف ضمن سياق الفيلم باحترافية عالية وأسلوبية ساخرة منحتا المظلومية السوداء بعداً أكثر عمقاً في الرؤية والطرح.

بهذه الأسلوبية الساخرة بل اللاذعة، سيقتحم النص عوالم دور النشر الكبرى ولجان التحكيم الخاصة بالجوائز الأدبية الرفيعة وكيف تمنح الجوائز والمعايير التي تحكمها في هذا الزمن، كما لايفوته المرور على عالم السينما ونوعية النصوص المفضلة في خدمة الفن السابع. كل ذلك مقابل ملايين الدولارات التي تسفح بالمعنى الحقيقي أمام نجومية النصوص الرديئة وأصحابها، وهو الامتحان الذي سيخوضه البطل الروائي الأسود مونك ولعب دوره(جيفري رايت) بقبوله لهذا التحول من كاتب جيد لكنه مغمور إلى كاتب باسم مستعار، لن يتحول في ليلة وضحاها إلى الشهرة فحسب، بل بتحوله إلى أسطورة.

سيحدث هذا التحول في زمن(ألزهايمر) الذي تصاب به أم البطل، والذي يتطلب المال الكثير لأجل رعايتها، لكنه(ألزهايمر) الموظف هنا ليس كمرض عضال فحسب، بل كمعنى للزمن المعاصر أيضا، حيث ـُتفقد وتتشتت الذاكرة الجماعية والبوصلة الحقيقية لمعاني الحياة الحقيقة. لكنها الأم التي ستبدو رغم إصابتها الأكثر معافاة وأصالة في علاقاتها مع أبنائها، تقودها بوصلة الحب وحده للتأكيد على تماسك العائلة وعدم تشتت الأبناء بين الضياع الجنسي والأدبي والعاطفي.

الفيلم الذي يركز على مظلوميات السود كأنموذج، سيتطرق بعمق وذكاء إلى كيفية التعاطي مع فكرة المظلوميات بشكل عام والسود بشكل خاص. ولكي يصبح الكاتب الأسود مشهوراً، مطلوب منه أن يفرغ ويسرد كل ما لديه من مظلوميات متراكمة عن معاناة العرق الأسود عبر التاريخ بحجة أن الجمهور يطالب بمعرفة هذه المظلوميات. لكن ليس لأن دور النشر تعتقد أن الجمهور(حنون ورقيق) ومعني بهذه المظلوميات، بل بحسب ما يناقشه الفيلم لأن(الرجل الأبيض) ممثلاً بصناع القرار السياسي والأدبي والثقافي والفني وأيضاً بعض الجمهور، يريد أن يجلب الغفران لنفسه والتخلص من آثامه المتراكمة عبر السماح للمظلوميات بالتعبير عن نفسها بحرية.

المعادلة إذن، اكتب وتحدث ماتشاء عن مظلوميتك، ونحن سنسامح أنفسنا وخطايانا الكثيرة القديمة بترويجنا لهذه المظلوميات واستثمارها الاستثمار الأمثل والسخي، لكننا في حقيقة الأمر لن نغير من مظلومياتك شيئاً، فالأسود سيظل أسوداً في نظرنا، والعنصرية ستبقى معلنة أو مستترة في سلوكياتنا وممارساتنا رغم كل القوانين المناهضة، وهذه هي المعادلة الصعبة التي يجب أن يستوعبها من يقتحم عوالمنا ويرغب أن نصنع منه نجماً، أو فقاعة، أو(تريند)، أو أسطورة، لأن كل شيء يتم تقريره في عالم المال وظلاله، وهي من تقرر ذائقة الجمهور وما يجب أن يراه أو يقرأه .

ومن لا تعجبه هذه المعادلة، فليبق في الزوال، وفي عالم الإمحاء والمحق، دون صوت أو أثر أو تأثير أو مال، حتى ولو كان أكبر موهبة في العالم.

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.