Placeholder canvas Skip to content

إقرأ أيضاً

التطبيع مع غزة... ما بعد الشفقة المراوغة
emad-el-byed-UsA2-DkWAqI-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-04 at 19.42.28
سامح المحاريق
انشاالله ولد Inshallah A Boy
MV5BNzU4MjE2MGEtZWQ0OS00OWJlLTg2NDMtMTYwZjBiNWRmMWM2XkEyXkFqcGdeQXVyMTQ5Mzc5MDU@._V1_
Colette Bahna 2
كوليت بهنا
ببساطة لن نصنع ذكاء صنعي عربي  
NAT-240212-WGS-Al-Olama-NVIDIA-VSAKLANI-5-1707819662512_18da1fbfccf_medium
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
تداعيات طوفان الأقصى على أمريكا
chalo-gallardo-osEPqpllQc8-unsplash
1470166
د. زيد بن علي الفضيل
رفح ترفع من الشغب السياسي الغربي غير المتماسك
patrick-perkins-uMsn8YbxYlc-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
سطوة الميليشيات ومعاناة سكان المنطقة
frederick-shaw-4__d0AAcakg-unsplash
Omran
عمران سلمان
متاهة الإرهاب ومجاهيل اليأس
WhatsApp Image 2023-10-13 at 09.24.41
أماني حماد
November 10, 2023
فتاة تضيء شمعة بجانب صورة المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد الذي اشتهر بإخراجه فيلم الرسالة وكان احدى ضحايا تفجيرات عمّان (أرشيفية/ العربية نت)
أماني حماد -

نجوت والعديدون من موت الأربعاء الأسود قبل ثماني عشرة عاماً، اليوم الذي حفر أخدوداً في قلوب الأردنيين وغير حيواتهم إلى غير رجعة. ربما لا يوازيه ألماً وقهراً إلا يوم استشهاد ابن الأردنيين جمعياً معاذ الكساسبة على يد عصابات الظلام بعد عشر سنوات. في التاسع من تشرين الثاني عام 2005 وفي توقيت متزامن، وقعت انفجارات ضخمة في ثلاثة فنادق كبرى في العاصمة الأردنية. العملية الجبانة نفذت بواسطة مفجرين انتحاريين بأحزمة ناسفة أو عبوات متفجرة داخل حقائبهم، أخذت فيما أخذت أرواح ستين إنساناً بين أردني ومقيم وزائر، وأصيب ما يزيد على المائة، وتغير كل شيء.

تبنى نظيم القاعدة في بلاد الرافدين، الذي كان يقوده أبو مصعب الزرقاوي المسؤولية عن الهجمات. الزرقاوي، الذي كان “أزعراً” أردنياً تائبا، زعم أن الهدف من الهجمات ضرب ما أسماه بـ “أماكن تجمع اليهود والصليبيين”. الهجمات أثارت استنكاراً دولياً واسعاً وأدت إلى تعزيز الإجراءات الأمنية في الأردن الذي تبنى نهجاً قاسياً لمكافحة الإرهاب. التاسع من تشرين الثاني كان عميق الأثر في نفوس الأردنيين، وساهم في تعبئة الرأي العام ضد التطرف. كما تفعل أي هجمة غاشمة على أي بلد، التف الأردنيون حول العلم، وأجمعوا على كلمة سواء، أن الإرهاب لا يمثلنا، وعادت إلى الواجهة “رسالة عمّـان”، التي يشترك تاريخ إعلانها، التاسع من تشرين الثاني مع تاريخ الأربعاء الأسود، مستبقة بما يشبه الرؤيا أو الوحي الحادث بعام بالتمام والكمال.

وبين الرسالة والحادث، وقبلهما هجمات الحادي عشر من سبتمر، قرر العالم أن الإرهاب آفة جديرة بالمكافحة، ورصد الأموال والموارد لمواجهتها وتحجيمها. تطرف يبدأ من قبول القتل كسبيل لاستعادة شرف الأسرة الذي تسرب من بين ساقي أحدى بناتها، إلى استحلال دم من يختلف في تفسير الدين الواحد. هدر الكثير من المال، والسلاح والعتاد في مواجهة هذا الوحش… لكن الإرهاب لم يتقلص، على عكس تعريفه الذي استمر بالتوسع حتى شمل بتطبيق عملي، أي فعل يقوم به شخص ببشرة سمراء. وحصد التطرف لا فقط أرواح ضحاياه، بل أرواح أعداد غفيرة من الشباب التائه، تيه مقلق لشباب يعيش اضطراب البحث الدائم عن ذاته وكرامة عيشه وهويته.

تزعم التقديرات أنه ومنذ بداية الصراع السوري في عام 2011 إلى ما قبل غزة كورونا بقليل، انضم أكثر من أربعين ألف مقاتل أجنبي إلى مجموعات متشددة سنية مثل داعش والقاعدة في العراق وسوريا. الشرق الأوسط، من ضمنهم أكثر من أحد عشر ألفاً من الأجانب عن الصراع، وصنفت التقديرات في ذلك الوقت الأردن من أوائل الدول الموردة للمقاتلين الأجانب بأكثر من ثلاثة آلاف مقاتل أجنبي، وهو أعلى عدد من المقاتلين الأجانب بالنسبة لعدد السكان في النزاع السوري والعراقي. ومع هذه الزيادة زاد عدد الخبراء والباحثين المتوافدين للأردن، الذي يحاولون أن يعرفوا عوامل الدفع السياقية تجاه التطرف، التي قد تؤدي في ظل “العاصفة المثالية” إلى التطرف العنيف، وللآن لم تطلع جموع الباحثين عليننا بالدخان الأبيض للكشف عن السبب اللعين الذي قد يدفع الشباب إلى هكذا مصير أسود.

استند عديد الأبحاث على مئات المقابلات مع عائدين من داعش، القاعدة أو أفغانستان، وما لا يحصى من اللقاءات مع خبراء نفسيين واجتماعيين وأمنيين وغيرهم، بهدف تطوير بعض المعرفة حول محركات التطرف التي تؤدي إلى التطرف العنيف. بحثوا بداية في أسباب محتملة كالبطالة، والإحباطات، وعدم المساواة في الفرص، وتعثروا أثناء البحث بظاهرة القرب من المجموعات الإرهابية النشطة في مناطق النزاعات المحيطة. تطرقوا إلى انتشار الأيديولوجيات الجهادية المتشددة، والتعاطف الشديد مع ضحايا بعض الطوائف في النزاعات الطائفية القريبة، والغضب من السياسة الطائفية التي شوهدت في أنشطة الحرب العراقية ثم السورية. وجدوا فيها عوامل تتظافر، أو تعمل بشكل مستقل كدوافع قوية للتطرف العنيف. لكنهم لم يتحدثوا عن الظلم العام! لا أعني هنا الأزمات الشخصية التي تتحدى صمود الأفراد، بل أتحدث عن جموع المشاهدين الذين يتمتعون بفطرة إنسانية سليمة، بطبيعتها “إذا لم تشوهها يد فاعل” تأبى الظلم ويستفزها ألم الآخر، وهم يتألمون يومياً لظلم أكبر من حجم تحدياتهم الشخصية، ويألمون أكثر عندما يستلقون ليلاً بعد عناء السعي اليومي وراء خلاصاتهم الفردية، وفي قيعان عقولهم شعور بالذنب عن أذى للآخر الشبيه؛ لم يرتكبوه. ثم تخيل معي هذه الفطرة السليمة، الغاضبة لألم الآخر، متحالفة مع الجوع، ومع أي من المحركات التي حصدتها أيدي الباحثين؟ خلطة متفجرة!

بعد مقتل أبو بكر البغدادي، أحد أئمة التطرف والإرهاب؛ قام شاب عشريني من لاجئي مخيم “سوف” القابع على أطراف مدينة جرش السياحية  شمال غرب العاصمة، بالاعتداء بسلاح أبيض على عدد من الأجانب في المدينة الأثرية، متسبباً بجراح لثمانية منهم، وبإقامة طويلة سيقضيها في سجن الموقّر. ولمن لا يعرف مخيم سوف، فهو كأي مخيم فلسطيني بعيد منسي، يرزح أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، وينزلق نصفهم الآخر بين الجريمة والمخدرات، تنتشلهم موسمياً الوظائف القصيرة الأمد، أو المهن المجهدة التي لا تجد من يتصدى لها سوا اللاجئين “المعترين”. لا يستطيع الفقير أن يفكر خارج حدود اللقمة واليوم، ثم حدود اليوم التالي ولقمته. لكنها لقمة مغمسة بألم النقمة، على “الي كانو السبب”. وهذه قائمة تطول وتقصر، لتشمل في أقصر حالاتها دولة الاحتلال التي قامت على أنقاض تاريخهم، وتتسع في أيام التعب لتشمل كل من يصاحبهم؛ من لاعبي كرة، ومغنيين، ورؤساء دول تضخ الملايين… إلخ، وقد تتسع عندما تزيد قسوة الجوع، لتظلل كل من يتحدث بلسان “افرنجي”.

كان عبدالله عزام يحشد المقاتلين للـ “جهاد” في أفغانستان، من أوساط الشباب في مخيمات اللجوء الفلسطيني في الأردن، وهو يسوق المعجزات والكرامات التي جرت على يدي المقاتلين وأمام ناظريهم، مقسماً أن افغانستان ساحة تدريب للاستعداد لمعركة فلسطين؛ المعركة التي لم يتطرق إليها عزام يوماً. كلمات عبدالله عزام المليئة بالمبالغات والخرافات في “آيات الرحمن في جهاد الأفغان” وجدت صداها المقبول في آذان العديدين، كما وجدت كلمات أبو قتادة ذات الصدى، عندما تحدث بمرارة عن المعايير المزدوجة للغرب، للأنصاف سأقتبس مما قاله أبوقتادة إجابة على استفسارات أحد الباحثين: “….نعم أنا الآن، أصبحت أكثر هدوءاً في طريقة حديثي، لكن بداخلي؛ أنا أكثر عنفاً. وأنا مقتنع بأنه من المتأصل في وجداني أن هذا العالم قذر وأنه يزداد قذارة، والتعامل معه يكون فقط بالقذارة التي فرضت علينا…” انتهى الاقتباس، وأنا ألقيت حاسوبي بعيداً عني بذعر، لأنني أدركت للتو أنني غاضبة مثله على الرغم من الهدوء الظاهر علي! أستحق أن أُحاكم وأعاقب بقسوة، فقد وجدتني غاضبة كثيراً خلال الشهر الماضي، عبرت بكلمات حانقة ووجه أسود مبلل بالدموع عن رغبتي بـ “أكلهم بأسناني” ليلة مجزرة المستشفى المعمداني بغزة! لا بد أنني إرهابية أيضاً؟!  تتعقد المسائل أكثر، فلا يجوز لناجية من تفجير التاسع من تشرين الثاني قبل ثمانية عشر سنةً مثلي، أن تستيغ التماهي مع أي إرهابي، بينما لا أجد في نفسي في يوم عادي؛ إلا مقتاً وقرفاً من كل من يعطل عقله ويستعير عقل شيخه أو معلمه يتحكم به كدمية مسرح. وأسألني الآن: من أنا؟ أنا لست جائعة، ولا تصليني نيران القنابل الفسفورية، ولا ينطبق سقف بيتي فوق جسد ابنتي الغض، فلماذا أنا غاضبة لهذه الدرجة؟ وسط هذا التيه الشخصي، أعود إلى النبوؤات. ففي منتصف أيلول، قال الملك عبدالله مخاطباً الجمعية العامة للأمم المتحدة: “… وعلينا أيضا ألا نترك اللاجئين الفلسطينيين فريسة لقوى اليأس… ” ثم استطرد الملك بعد الحديث عن أهمية دعم جهوود الأونروا قائلاً: “…وإلا فسيكون البديل رايات الإرهاب والكراهية والتطرف.” انتهى الاقتباس. 

الطبيعة أقوى منا جميعاً، ونواميسها واضحة. تقول إحدى قواعدها: لا يمكن أن تزرع حنظل وتجني عنباً! تقول أيضاً: أن طبيعة الانسان التمرد على ما، ومن؛ يحاول إلغاء وجوده، وتقول أيضاً: أن اليأس أخطر سم، والسيطرة على اليائس أمر مستحيل. ابتعدت عن مساحات البحث حول مسائل التطرف من عدة سنوات، ولا أعرف على وجه الدقة إذا ما كانت أعداد المنجرفين وراء زيف الجماعات الإرهابية في تراجع أو تقدم. لكنني أعلم تماماً، أن الغضب الكامن داخل أشخاص عاديين مثلي ومثلك صديقي القارئ خلق ألغاماً كامنة سنتنفجر في وجوهنا جميعاً. لا تنتظر الحب والسلام من الجائعين والمتعبين بفعل فاعل، وعلى من أراد الحب حقاً؛ بسط كفيه بالعدل والسلام، وإلا عليه أن يتقبل العيش وسط حقل ألغام.

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.