skip to content
Skip to content

إقرأ أيضاً

أوروبا المحبطة أمام خطر مميت
Olaf-Scholz-et-Emmanuel-Macron-a-la-Sorbonne-a-Paris-le-22-janvier-2023-1562355
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
إيران والعراق ما بعد خامنئي والسيستاني
627225Image1-1180x677_d
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
تدمير قرطاج أم هدم معبد فيسبوك!
Mark-Zukerberg
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
الانتقال من الفشل إلى الفشل جدًا
OIP (1)
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
أزمة الفهم الأخلاقي الأمريكي للمسلمين
gettyimages-633356570
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي: تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والمسؤولية الاجتماعية
9e45c84d-f930-4bc4-8688-378ea0820f0d
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
عن حياتنا.. الغربية
Colette Bahna 2
كوليت بهنا
November 18, 2023
خارطة تظهر بعض الدول الغربية الرائدة في الصناعات (تعبيرية/ Photo by Pixabay: Pexels)
كوليت بهنا -

احتجت قبل فترة وجيزة لقطعة غيار لجهاز الكتروني معطّل بسببها. الخيار كان بين قطعة غيار صناعة غربية (أجنبية بحسب المتداول شعبياً) باهظة الثمن، وبين قطعة صناعة صينية تقليد حرفي في مظهرها للقطعة الغربية وبدورها غير رخيصة وغير مكفولة الجودة. استفسرت عن الصناعة الوطنية كخيار ثالث، فكان الجواب إنها متوفرة ومقلدة عن  الأجنبي في مظهرها وبسعر مرتفع لكن الجودة شبه معدومة.

ليست المرة الأولى التي يتوه فيها المرء في هذه البلاد بين هذه الخيارات، والنتيجة تحسم دوماً للقطعة الغربية المضمونة. وفي نظرة شاملة لأدق تفاصيل حياتنا، ستكتشف أن كل مافيها بات صناعة غربية أو تقليد لها. إذ تبتدىء الحكاية من الولادة في مشافٍ معداتها وأدويتها ابتكرها وطورها أطباء وباحثون غربيون، تليها اللقاحات الرئيسة المنتجة غربياً، ومن ثم الأغذية والحفاضات والألعاب والثياب والأحذية الطبية وكافة مستلزمات الأطفال التي تعتمد على المنتج المصنع في الغرب أو المقلد عن أساس غربي.

في المراحل الدراسية الأساسية انتهاء بالجامعات والمعاهد، المفضل لدى معظم الناس المقتدرين هي المدارس الغربية من حيث هندستها المعمارية وحجم الصفوف وكافة المستلزمات الخاصة والمناهج التعليمية التي تعود في هيكلتها وتصنيعها للأفكار الغربية. وبالتأكيد لن يختلف الأمر في باقي شؤون الحياة، إذ كيفما تلفت ستكتشف أنك تعتمد على فكرة غربية بشكل أو بآخر، سواء في المجال الصناعي والماكينات وقطع الغيار المستوردة من الغرب أو التي تصنع من خلاصة الأفكار الغربية. أو في المجال الحيواني أو الزراعي، بدءاً من البذور الجيدة وإكثارها وأساليب الري والحصاد والتخزين وأدوية مكافحة الآفات وغيرها التي تعتمد على آلة أو أسلوبية تنتمي لفكرة غربية.

الكهرباء، إحدى معجزات البشرية، صنعها الغرب، وأيضا هواتفنا وثلاجاتنا وغسالاتنا وأفراننا وشاشات التلفزيون وأجهزة الراديو والكاميرات. حتى أدوات الطهي وكافة معدات مطابخنا من ماكينات للتسخين أو العجن أو العصير وغيرها، غربية. هندسة بيوتنا الحديثة وديكوراتها تعتمد على خلاصة الأفكار الهندسية الغربية، وتشمل بدورها حماماتنا والشامبو ومجفف الشعر الذي نستعمله، وأرائكنا وغلوبات الإضاءة واللمبات وأشكال الأسرّة وطاولات الطعام التي تعتمد بشكل أو بآخر على ماتبتكره وتروج له الأفكار الغربية.

نطير بطائرات الصناعات الغربية ونحط بمطارات ذات أجهزة غربية عالية الدقة. نتجول بسياراتنا وحافلاتنا ودراجاتنا التي اخترعها الغرب. حتى سراويلنا ومعاطفنا ومظلاتنا وحقائبنا وأحذيتنا وعطورنا، غربية المظهر أو التصنيع، ننتظر تحديثاتها كل موسم مع ماتصنعه وتعرضه صيحات الموضة العالمية الغربية، ليمتد هذا الاستلاب حتى إلى ذائقتنا الحسية في العديد من مشروباتنا ومأكولاتنا الحديثة السريعة (فاست فود) والبوب كورن الغربي الذي نلتهمه ونحن داخل صالة السينما التي اخترعها الغرب واخترعوا كل أدواتها وصالاتها وأفلامها الخام وكافة أجهزة المونتاج والصوت والاضاءة.

في العقود الثلاث الأخيرة، اتخذت حياتنا منحى أكثر عمقاً وحدّة باعتمادها الكامل على الأفكار الغربية ومنتجاتها، أي فيما يخص التقدم التكنولوجي والالكتروني الذي شمل عالم الاتصالات الخلوية والفضائيات والأقمار الصناعية وغيرها. وهاأنا ذا أكتب هذه الكلمات على شاشة اللابتوب الذي يعود في منشأه للصناعة الغربية، وستُقرأ هذه الكلمات من قبل الآخرين عبر هاتف جوال أو كومبيوتر متصلين بالأنترنيت المخترع في الغرب، والذي سيؤرشفها على أحد محركات البحث العملاقة ذات الصناعة الغربية.

لايعني هذا أننا وباقي دول المعمورة لم نصنع أو نخترع في المطلق. إذ قدمت الحضارات القديمة النواة الأولى لعدد كبير من الاختراعات الحديثة وعظماء في العلوم. كما لايخلو الأمر من حضارات حديثة تقدم كل حين بعض الأفكار المختلفة التي تخدم الإنسانية في نهاية الأمر. لكن العديد من هذه الأفكار لم يطورها أصحابها وفقدت حقوقها وباتت مشاعاً للعالمية، و(الشاطر) من اقتنصها وطورها ثم أعاد بيعها لنا وللعالم. ومايصنع ويطرح في الأسواق في العصر الحديث، ليس إلا تقليداً في معظمه لمنتج صنع من فكرة غربية حديثة.

كل ماتقدم، يمكن القبول به والتعامل معه بوصفه خلاصة التلاقح الإنساني وتبادل المعرفة والعلوم والثقافات، وهو مطلب إنساني توافقت عليه البشرية بشكل مطلق وبخاصة في القرن العشرين. لكن الأمر بات يتخذ منحى مختلفاً منذ سنوات قليلة عند مواجهة أزمات عالمية كبرى. إذ ماإن تمس واحدة من هذه الأزمات الغرب بشكل أو بآخر، حتى تكتشف مدى قدرته على تقنين منتجه والتحكم به أو قطعه عنك وحرمانك منه، وفرض عقوبات قاسية تتعلق بتعليق وصول منتجه إليك، الأمر الذي يعني إرباكات لاحصر لها في الحياة، كمثل العقوبات التي تفرض على التبادلات المصرفية على سبيل المثال لاالحصر.

في الحرب على غزة اليوم، المستمرة منذ السابع من أكتوبر الفائت، اكتشف العالم بشكل حقيقي حجم وضخامة ومدى تمدد الأخطبوط الغربي ومدى قدرته على التحكم بحياة الناس في كل مكان. فهو بالإضافة إلى مقدراته العسكرية الجبارة ومقدرته على الدعم العسكري والحربي لمن يشاء، قادر على أن يحرمك من أبسط شروط الحياة، وأن يمنع عنك إن أراد وصول أية آليات أو معدات يمكنها نجدتك، حتى وكأنه قادر أن يحبس عنك الأوكسجين من الهواء.

فبالإضافة إلى معرفته للون عينيك، وبصمتك الوراثية وهمساتك ومواهبك ونوعية أصدقاؤك ومزاجك العام، قادر أن يخبرك في الوقت المناسب أنك شخص غير مرغوب به ويحظر صفحتك أو يقيدها على وسائل التواصل الاجتماعي التي اخترعها، وأن يراقب منشوراتك ويمنعها إن جاءت مخالفة لقوانينه التي أفصحت أخيراً عن حقيقتها علانية ودون مواربة وهي بأننا لن نسمح لك أن تستخدم أدواتنا وماأنتجناه وابتكرناه لتهاجمنا أو تهاجم مصالحنا أو مصالح حلفاؤنا.

هل يلام الغرب في امتلاكه لهذه القوة التي يتحكم بها في أدق تفاصيل حيوات العالم، أم نلام نحن والعديد من دول العالم التي تصنع أعلامها من القماش الغربي وتكويها بمكواة من صناعة غربية؟؟ وهل يكون اكتشاف العالم لمدى استلابه من الغرب منطلقاً ومحرضاً لإعادة حساباته فيما يصنع وينتج، وفيما يطور من بحث علمي وتقني ودعم لمبدعيه ومبتكريه لأجل تحقيق بعض الاستقلالية والتخفيف من عبء هذه التبعية اللامتناهية للغرب في الحياة؟

أسئلة أخمن أنها ستظل تراوح في مكانها لأنها إجاباتها ترتبط بقيادات صنعت كراسيها من أجود أنواع الصناعات الغربية. وفي الواقع، إن أسوأ ماأنتجه الغرب من صناعات هو السلاح الذي يستورد ويخزن بلا حدود ويحرس كراسي العديد من هذه القيادات. وأفضل ماصنعه الغرب هو الحريات التي منحت لشعوبه، والتي ابتكرت بسخاء وأنتجت في المحصلة تلك القوة في الصناعة والمنتج الغربي وآليات تسويقه الذكية. هي الحريات ذاتها، التي يمكن أن تصنع من الشعوب أقوياء ومبتكرين، لكنها المنتج الوحيد الذي لاتستورده أو تخزنه العديد من الدول المستوردة لكل منتج غربي.

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.