skip to content
Skip to content

إقرأ أيضاً

أوروبا المحبطة أمام خطر مميت
Olaf-Scholz-et-Emmanuel-Macron-a-la-Sorbonne-a-Paris-le-22-janvier-2023-1562355
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
إيران والعراق ما بعد خامنئي والسيستاني
627225Image1-1180x677_d
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
تدمير قرطاج أم هدم معبد فيسبوك!
Mark-Zukerberg
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
الانتقال من الفشل إلى الفشل جدًا
OIP (1)
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
أزمة الفهم الأخلاقي الأمريكي للمسلمين
gettyimages-633356570
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي: تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والمسؤولية الاجتماعية
9e45c84d-f930-4bc4-8688-378ea0820f0d
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
شراكة تنهيها كلف الخسائر
pexels-sabine-fischer-19052546
جودية سامي
January 14, 2024
الرئيس الأمريكي جو بايدن ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (ارشيفية/البيت الأبيض)
جودية سامي -

يختصر سيد البيت الأبيض جو بايدن الفكرة – الأطروحة حين يقول في أول زياراته إلى تل أبيب  بعد أحداث السابع من أكتوبر فيقول: ” لو لم تكن هناك إسرائيل، لعملنا على إقامتها”. الحاكم بأمر القوة الواشنطنية، يختزل الفكرة “الإسرائيلية” في المخيلة السياسية الغربية، فإسرائيل فكرة كان لا بد من خلقها وصياغتها وتبنيها، ولو لم تكن موجودة – بلسانه شخصياً- لعملنا على إقامتها.

بعد حرب الأيام الستة في حزيران ١٩٦٧، دخلت إسرائيل إلى جوهر السياسة الخارجية الأمريكية كأحد الثوابت المهمة لحماية المصالح الأمريكية في المجال الحيوي لواشنطن، ذلك المجال الذي تم تحديد خطوطه على رمال الشرق الأوسط المتحركة في سياق حرب باردة وشرسة مع المعسكر الشيوعي المقابل، كانت واشنطن قد أخذت قرار تبنيها ذلك الطفل الرمي في تيه تلك الصحارى، طفل يغلب عليه الأشقر بين تلك الشعوب السمراء، علاقة أبوة مكتملة الأركان، هو ما يجمع أمريكا بإسرائيل. لم تكن تكاليف تلك العلاقة الأبوية مهمة ما دامت الأرباح والمصالح الواشنطنية بخير، وإلى حد ما المصالح الغربية المرتبطة بواشنطن.

تكاليف بشرية هائلة على صيغة مجازر وحروب وغارات واغتيالات وأنظمة تنقلب على أنظمة، من بحر البقر إلى قصف الضاحية، مروراً بالقصف الروتيني لمطارات سوريا، والتدخل في إثارة الفتنات في العراق وغيرها… كلها إجراءات مبررة ومباحة، فمن حق إسرائيل أن تحمي وجودها، هي التي لم تبادر في حرب قط، بل انتهجت سياسة الدفاع، وسمت قوتها العسكرية تيمناً بهذه النظرية. في سبيل حماية سمعة اسرائيل، تجرم الولايات المتحدة، ووكلاؤها في أوروبا والعالم كل من يؤشر صراحة أو دلالة على انتهاكات اسرائيل الجسيمة. أي ناشط على مواقع التواصل الإجتماعي يقع تحت طائلة عقوبات قاسية تبدأ بتعليق الحساب وقد تصل إلى إلغاء الحساب نهائياً، إذا نقل ما من شأنه فضح المستور ونشر الغسيل الوسخ لدولة الاحتلال. وتعاجل أمريكا أي تحرك تجاه مشروع قرار في الأمم المتحدة بضربة الفيتو القاضية، حتى وإن كان مشروع قرار أدرد غير مُخَلّب. تضع كل طاقاتها الدبلوماسية، وسمعتها الدولية، ورأس مالها السياسي في مربع اسرائيل على طاولة مقامرة، محسومة النتائج.

كل تلك التكاليف ليست مدرجة في الدفاتر المحاسبية للسيد الواشنطني،  تكاليف بسيطة لا تقارن بالمكاسب المرجوة من وجود كيان وظيفي يشكل امتداداً حقيقاً لأمريكا في المنطقة. تتصرف اسرائيل كالولاية الواحدة والخمسين، تضرب بسيف الإدارة العاملة أياً كان أشخاصها، وبسيف الإدارات القادمة بثقة العارف بـأن تغير الشخوص لا يؤثر على مخصصاتها، ولا حقوقها ولا امتيازاتها. على الرغم من التكاليف الأخلاقية والقيمية، إلا أنها تبقى بسيطة مادياً مقارنة بما تتلقاه إسرائيل من دعم مادي يفوق نسبته نصف المعونات التي تقدمها أمريكا لكل العالم! منذ عام 1949، سكبت أمريكا ما لا يقل عن 158 مليار دولار من المساعدات الثنائية، ومثلها على شكل مساعدات عسكرية وعينية أخرى “ما نسبته 55% من مجمل المعونات الأمريكية الخارجية” في كأس اسرائيل الممتلئ أصلاً بمعونات من غير أمريكا، وبتبرعات وهِبات من أثرياء اليهود في أرجاء العالم، وفي آخر المنح، تلقت إسرائيل “قبلة وحضن دافئ” و 14.3 مليار دولار بسبب “الواوا” التي سببتها حماس، القبة الحديدية الشهيرة، تكلف ما بين 35 ألف إلى 62 ألف دولار مقابل كل صاروخ معترض، لينام أطفال إسرائيل بهدوء وسلام. كل ذلك، تاريخياً وحديثاً؛ يجعل اسرائيل أكبر استثمار أمريكي حكومي خارجي، استثمار جدير بالحماية أولاً لتكلفته الأصلية وثانياً لعوائده السياسية.

استمر وضع هذا الاستثمار في تحسن على مدار عمر الدولة العبرية، مع صعود وهبوط في نبرة الخطاب الأسرامريكي خارجياً، إلا أن العلاقات البينية لم تتغير إلا إلى لأفضل. وقد قدمت اسرائيل في المقابل خدمات استراتيجية، استخباراتيه وتجسسية وعسكرية في المنطقة لا تقدر بثمن، وأثبتت أنها مستحقة باستمرار لذلك الغطاء الأمريكي، والحماية الأمريكية والدولية على حد سواء. تصرفات إسرائيل المحسوبة دائماً بالمنقلة والفرجار متفق عليها بين إدارة الأب وحكومة الابن، ولا تتجاوز إسرائيل العتبة التي تقررها أمريكا. أمريكا الرب الأعلى للنظام العالمي، تقرر مسبقاً عدد المستوطنات التي ستسمح بها، والعدد الذي ستتغاضى عنه، والعدد الذي سيستلزم تصريحاً دورياً يطالب إسرائيل بتجميد الاستيطان. أمريكا كذلك تقرر كم من مخصصات السلطة الفلسطينية سيتم الافراج عنه وأوجه إنفاقها. ليس مطلوباً من إسرائيل، سوى الوصول عبر انتخابات نزيهة إلى حكومة ائتلافية، تحفظ اللقب الذي أطلقه عليها الإعلام الذي يعمل تحت إمرتها: الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. ثم يطلب من هذه الحكومة أن تعمل بين حدين أعلى وأدنى. وهي اتفاقات ضمنية معروفة، يدركها المسؤولون الذي يصلون إلى المواقع القيادية في البلدين دون أن تكتب في نذورهم المتلوة أمام الجموع.

أعربت الإدارة الأمريكية في عدة مواضع قبل أحداث السابع من أكتوبر عن قلقها من تشكيلة الحكومة الإسرائيلية الأخيرة. قال بايدن في منتصف شهر تموز الماضي بشكل صريح أن حكومة نتنياهو تضم بعض الأكثر تطرفاً من الإسرائيلين الذين التقى بهم على الإطلاق. ولم تكن سياط الإسرائيليين في حينها رحيمة على العجوز، بل وجهت إليه انتقادات حادة، لخروجه على النص المتفق عليه مسبقاً. وأنكرت جملة وتفصيلاً الاتهامات بالعنصرية، بل وزاد أوقحهم بن غفير أن على بايدن أن يدرك: “…أننا لم نعد نجمة على العلم الأمريكي!” وعلى الرغم من إدراك العم سام للمعادلة المقلقة المنذرة بالانفجار في الحكومة اليمينية الأكثر تطرفاً على الإطلاق، إلّا أن ذلك لم يحل دون تحويل ملايين الدولارات من إلى حساب اسرائيل دون تردد عقب أحداث أكتوبر، سواء على شكل مساعدات عسكرية أو دعم مباشر للموازنة التي بدأت ترزح تحت وطئة ضغط غير مسبوق. في ذات الوقت الذي يحصل فيه الجندي الإسرائيلي المكلوم، أو الذي يعاني صدمة نفسية جراء قسوة مشاهد الحرب في غزة على أعصابه الحساسة، تُرفَض مطالبات تعويضات المحاربين الأمريكيين القدامى من ذوي الإصابات تحت ذرائع إدارية واهية. يحصل الإسرائيلي على خدمة خمس نجوم في مستشفيات الحكومة دون أن يدفع قرشاً واحداً، ويتعلم أطفاله في أفضل المدارس والمعاهد والجامعات، بشكل شبه مجاني، بينما ينتظر الأمريكي دوره لإجراء تصوير طبقي شهوراً، وقد يقضي بسبب ورم سرطاني وهو ينتظر الصورة. أطفاله يحصلون على تعليم بدائي يجعلهم مسطحي التفكير، ولا يعرفون عن العالم سوى أمريكا، وتاريخها ومؤسسيها. يتساءل دافعوا الضرائب الأمريكيون اليوم، هل يستحق هذا الاستثمار معاناتهم ومعاناة أبنائهم، في دولة الحلم الأمريكي؟ 

يستطيع بايدن وإدارته ذات التصريحات المتخبطة “الملقنة غالباً”، الادعاء بأن هذا الدعم، ضرورة وجودية لا لإسرائيل فحسب، بل لأمن أمريكا وحماية الأمريكيين. لكنها لا يستطيع أن يدفع عن إدارته الموافقة الضمنية، وأحياناً التشجيع على القيام بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. قال المنسق الاستراتيجي للاتصالات في مجلس الأمن القومي، الناطق باسم المجلس جون كيربي في مقابلة هاتفية مع اسحق تشوتينر في “ذا النيويوركر” أننا في الولايات المتحدة: “…”لن نتدخل بالتحليل والنقد في كل عملية وحدث يقومون به” عندما سئل عن قيام اسرائيل بتجاوز القانون الدولي الإنساني في اشتباكاتها مع حماس في غزة. أي تبرير هذا لربة بيت تشاهد الصور المرعبة لأشلاء الأطفال في ضاحية من ضواحي سياتل، وترتعد فرائصها أن تكون ضرائب زوجها هي ما موّل هذا الرعب؟

شلت عمليات الحوثي في الأسابيع الأخيرة حركة الملاحة في البحر الأحمر، وأقلقت أصحاب المصالح التجارية، بنفس الدرجة التي أقلقت العسكريين والسياسيين في العالم. أثناء كتابة هذه السطور طالعتنا الأنباء بشن الولايات المتحدة وبريطانيا ضربات عسكرية، بدعوى ردع هجمات الحوثيين على سفن تجارية في البحر الأحمر. وأكد بايدن أنه لا يمانع إصدار الأوامر بمزيد من الضربات إذا لم يوقف الحوثيون هجماتهم على السفن التجارية والعسكرية. الحوثي الذي توعد مبكراً، إثناء استهدافه بالصواريخ مواقع إسرائيلية، باستهداف السفن الإسرائيلية التي قد تمر في البحر الأحمر، أو “…في أي مكان قد تطاله أيدينا” رداً على حرب غزة. الضربات الأمريكية/البريطانية، الجراحية، التي تهدف إلى إضعاف القوة العسكرية الحوثية، واستعادة السيطرة على حركة الشحن، مثلت تحركاً سريعاً، وقراراً واضحاً، استطاعت الإدارة الأمريكية وحليفتها البريطانية اتخاذه بأن تصرفات الوكيل الإيراني تشكل انتهاكاً للقانون الدولي. لم تكن تحتاج للبحث والتمحيص، والتأكد، الأمور واضحة تماماً: “العدوان على إسرائيل عدوان على أمريكا، العدوان من إسرائيل على الآخرين أمر يحتاج البحث والتفاوض”. تستطيع أمريكا بكل جاهها وسلطانها أن تغامر في توسيع رقعة الصراع. لكن أصدقائها في العالم، لا يملكون ذات الرفاهية. حلفاء أمريكا التقليديون أبدوا تردداً، ولم يكن قرار ضرب اليمن موضع إجماع أوروبي، فإيطاليا وإسبانيا وفرنسا قررت عدم المشاركة في العدوان، واحتفظت بحقها عدم التوقيع على بيان تسويغ الهجوم. استغلت روسيا التحرك الأمريكي المندفع بحس أمومي تجاه الربيبة المشوهة، لانتقاد الولايات المتحدة، والتذكير بانحراف “الانجلوسكسونيين” عن قرارات مجلس الأمن. على الأغلب، سيلجأ عبدالملك الحوثي إلى تحويل دفة الصراع، من الكف المؤلم المتمثل بشل حركة الملاحة، إلى هدف أقل استراتيجية، وأقل إيلاماً في العقوبة الأمريكية المضادة، كاستهداف القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، حفظاً لماء الوجه. ولعل هذا التحول يحفظ ماء وجه أمريكا أيضاً التي لا تريد أن تقضي تماماً على جماعة الحوثي، لأهميتها كورقة استراتيجية في ساحة الشرق الأوسط.

جبهة جديدة تفتحها أمريكا، حماية لاستثمارها الأثير. على الرغم من جحود إسرائيل الصلف، وعلى الرغم من المواقف الهستيرية لأعضاء حكومتها المتطرفين، والإحراج الدولي الذي تسببه لممولها الأسخى، وعلى الرغم من ارتفاع الكلف المادية والسياسية، والحرج الدولي والمحلي، لا يزال إصرار أمريكا على موقفها المتزمت، الداعم لإسرائيل بشكل لا يقبل التهاون العنوان الثابت في السياسة الخارجية الأمريكية. في عالم السياسة، المصالح هي العامل الحاسم في استمرار او قطع أو تغيير شكل ووتيرة الدعم، فهل ما زالت المصالح قائمة؟ وهل ما زالت عوائد هذه الصداقة ذات جدوى أم أصبحت عبئاً يثقل كاهل الإدارة الأمريكية، ودافع الضرائب على حد سواء؟

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.