skip to content
Skip to content

إقرأ أيضاً

الانتقال من الفشل إلى الفشل جدًا
OIP (1)
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
أزمة الفهم الأخلاقي الأمريكي للمسلمين
gettyimages-633356570
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي: تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والمسؤولية الاجتماعية
9e45c84d-f930-4bc4-8688-378ea0820f0d
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
فوضى حواس أردني
DSC02663
Malik Athamneh3
مالك العثامنة
الفساد شريان الحياة السياسية في العراق
nohe-pereira-RvxSeJSgtUE-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
المعيار المفقود في وجود السوداني بالبيت الأبيض
202441523405592140
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
دول اليوم وجيل الغد
pexels-sabine-fischer-19052546
جودية سامي
April 21, 2024
تعبيرية/ Photo by sasan rashtipour on Unsplash
جودية سامي -

عادت ابنتي من المدرسه تحمل على وجهها تعبيراً مختلفاً أشاهده لأول مره، مزيج من الاستغراب والاستهزاء، لأعرف لاحقاً أن هذا هو الانطباع الذي خرجت به بعد أول احتكاك مع مؤسسة الدوله. حضر إلى مدرستها صفها، رجل “بكرش” حسب تعبيرها، لكي يتحدث معهم عن التعاطي على ومع وسائل التواصل الاجتماعي. للوهلة الأولى افترضت أن محدثهم ذو البزة الرسمية سيتحدث عن حماية الهوية الرقمية وكيف يحمون أنفسهم من خطر الاستغلال والابتزاز على الإنترنت، ولمن يتوجهو إذا حدث بالفعل. لكن الخلاصه التي خرجت بها طفلتي المقبله على سن المراهقه، أن “الحكومه” تراقب كل شيء يفعلونه. ببراءتها قالت لي: “وشو دخل الحكومه بمحادثاتي أنا وصاحباتي! ” صمتت قليلاً ثم قالت: “معناها بيعرفو عن فلان، الي بيتنمر علي على انستاغرام! طيب ليش ساكتين له!!؟”

خلال الأشهر الماضية، مباشرة بعد احتفالها بعيد ميلادها الثامن عشر، زارت ابنتي الشابه دائرة ترخيص السواقين اكثر من ست مرات لتقديم فحص يؤهلها الحصول على رخصة قيادة سيارة ركاب صغيره، وكانت تفشل في الاختبار في كل مرة تحت ذرائع مضحكه للغاية. وأصبحت حكاياتها مع ضابط الفحص كل مساء بعد عودتها من الرسوب الجديد فاكهة جلساتنا المسائية. هي بالمقابل لم تجد المسألة مضحكةً أبداً، بل أسرتني بأنها “تكره الشرطه والحكومه وكل شيء رسمي”.

لطالما أغضبني مشهد شاب يطرد عن باب مجمع تجاري او “مول” لمجرد أنه شاب، يفترض حكماً أنه مصدر للمشاكل والإزعاج. وأرى العديد منهم يتوسل بأي فتاة؛ قد تبتز منه أحياناً ديناراً أو يزيد ليدخل معها المركز التجاري بادعاء أنهما معاً.

أعرف مجموعة شباب على مشارف التخرج من الجامعات، يختمون حديثهم معي في كل لقاءاتي بشعور قاتم باليأس، وطلب متكرر بـ “واسطه” تشفع لهم للحصول على وظيفة ما. هؤلاء شبان أذكياء، بمعدلات مرتفعة في جامعاتهم ومعاهدهم، ينظرون إلى أحد زملائهم الذي يلوح بمفتاح سيارته الحديثة ويضرب بسيف والده المتنفذ في أحد المناصب العليا، ينظرون بعين الحسد، للملعقة من ذهب التي في فيه، ويعلمون أن الرؤوس ليست متساوية… لم تكن ولن تكون.

هذه الظواهر وغيرها الكثير ليست حصرية على بلدي، وتتكرر ثيمتها، وإن بتفاصيل محلية متفاوته قليلاً في العديد من الدول العربية، هي شاهد عيان على حالة انفصال السلطات الحاكمة عن الشباب، رافعة مستقبلها.  خرجنا إلى معترك الحياة وأدركنا مبكراً أننا لسنا أغلى ما تملك بلدنا، بل نحن فائض متوفر بكثرة، رخيص الثمن وليس ذو قيمة وعندي نظر القائمين على شؤونها، ومن يملكون الأمر فيها. ابنتيّ، والشبان الخريجون عينات من مجتمع واسع من شباب وشابات وفتيان وفتيات يشعرون بأن الدولة في أفضل الأحوال لا تمثلهم ولا تفهمهم، وفي أغلب الحالات تعاديهم.

بالنسبة لجيل اكس وما قبله في العالم العربي، ممن عاصروا مرحلة ما بعد زرع كيان الاحتلال في خاصرة الوطن العربي، ومآلات ما بعد الاستعمار، والتحولات السياسية في هبوط وصعود قوى في المنطقة، نفهم وربما نبرر القبضة الأمنية الصارمه، تحت ذرائع حماية الأنظمة الفتية، العدو الصهيوني القابع في القرب الجغرافي، عناصر شابه مسلحة تحت عناوين المقاومة، جماعة مؤدلجة دينياً تشكل خطراً على صيرورة المجتمع والدولة. على الرغم من كل ما حدث ويحدث، كانت الأنظمة أكثر احتراماً لخصومها السياسيين في فترة الثمانينات وما قبلها، لا أنفي هنا حالات التعذيب والقهر التي لخصها العظيم عبدالرحمن منيف في “شرق المتوسط” أو ما قرأناها قبل الربيع العربي في رواية القوقعة لمصطفى خليفة، وكلها تسجل لتاريخ بشع مورس، وربما ما زال يمارس. لا ننكر كل ذلك، لكن في ذات الوقت لا ننكر أن  الخصوم السياسيين، كانوا خصوماً سياسيين، وكانت التهم التي توجه لهم، تهماً سياسية، وعندما يتغير المزاج الرسمي يصبحون في حِل من التهم، وربما يتبوأون مناصب سياسية رفيعة، لا يحبسون مع أرباب السوابق وتجار المخدرات ومرتكبي الجرائم. اليوم يجر الخصوم السياسيون ويكبون على وجوههم في الزنازين بسبب منشور “معتدل جداً” على اي من منصات التواصل الاجتماعي، وإذا كانوا أكثر إزعاجاً، تطوع أي من أفعالهم البريئة لتطابق أي نموذج جرمي في القوانين العقابية، قد تسرع اجراءات تتطلب سنين لملاحقتهم على دين مدني، وقد يتطوع شخص ما لرفع دعوى ضدهم بسبب رأي أيدوه كتابةً أو شفاهة تحت مسوغات الذم والقدح… إلخ من أدوات القانون المطواعة، التي تخرج الخصم السياسي من دائرة الرأي المعارض، إلى دائرة الفعل الجرمي، وتسلبه كرامته محيلةً إياه أمام القانون، إلى مجرد لص عابر.

أما جيل “زد” وما يليه، الذي لم يتعرض لتنميط وتطبيع الأمننة بشكل تدريجي، والذي تربى على المسلسلات الأمريكية التي تعلمه أن مفاهيم الحق والعدل والحرية حقوق مفترضة، الجيل الذي لا يقرأ من المشهد تاريخه ومسوغاته ولغطه، وينظر إلى الأمور ببساطة واحد زائد واحد يساوي اثنين، وبمنطقية الفعل ورد الفعل؛ هؤلاء لا يفهمون لماذا لا يترتب على اتباع تعليمات المرور في امتحان لجنة ترخيص السائقين وعدم الإتيان بأي خطأ، منح آلي للرخصة. ولا يبررون رغبة موظف عام دحش أنفه فيما يقولون لأصحابهم على منصات التواصل الاجتماعي، ويمتلئون في كل يوم حقداً وإحباطاً موجهاً نحو من يرون أنه يستبيح حقوقهم الطبيعية بصورة منظمة.

بعد مشاهدة قوات الشرطة الأمريكية تفض اعتصام طلاب جامعة كولومبيا بدعوى تواجدهم في الحرم الجامعي بعد أن قامت جامعاتهم بفصلهم وأصبحوا متعدين بوجودهم فيها. وبعد أن تم استجواب وفصل العديد من طلاب جامعات أخرى عبر العالم بسبب مواقفهم السياسية مما تفعله أو لا تفعله دولهم تجاه الحرب على غزة. أصبحت مقتنعة أن القيادات في كل مكان منفصلة عن الشباب، وأن الأنظمة العربية ليست محتكرة لنعوت التحجر والقمع والدكتاتوريه. لكن الطلبه في الولايات المتحدة، وفي أماكن أخرى من العالم، لديهم آليات للتظلم، ومسارات للتقاضي لا تخجل من جلب، لا رئيس الجامعة فحسب، بل رئيس الدولة ليبرر تجاوزاته ومؤسسته ودولته. هذه الآليات، يتبعها صناديق الاقتراع الحر النزيه، كلها تفرغ إلى حد ما، حنق الشباب في أمريكا وغيرها، وتعطيهم أملاً في أفق سياسي قريب، يستطيعون فيه التخلص من العواجيز الذين يديرون بلادهم بقواعد بالية، ويرسمون لأنفسهم مستقبلاً مختلفاً. بينما في بلادنا العربية، آليات التظلم شبه معدومة، وإذا وجدت فهي محض مبانٍ مفرغة من محتواها وفلسفتها، لا بل تستهدف الإبقاء على نفسها وعلى شخوص القائمين عليها، عبر استجداء رضى السلطة ولو على حساب الغاية التي وجدت لأجلها، والشواهد على ذلك لا تعد ولا تحصى. إن أنظمتنا العربية لا تملك رفاهية الاستمرار في تجاهل احباط الشباب، وفصلهم عن الأنظمة التي تدير حياتهم، وحرمانهم من حقوقهم المفترضة. ليس فقط لأننا شاهدنا هذا الفيلم ونعرف كيف انتهى في الماضي غير البعيد، ولا لأن ما استجد ليس بأفضل حال مما مضى، بل لأن هذا الجيل لن يقبل بأنصاف الحلول ولا وصفات إصلاح “ميديوم رير”. لأجل ابنتيّ وأبنائي وأبنائكم وبناتكم، وكل شباب أوطاننا العربية في هذا التيه العالمي المخيف؛ استمعوا إلى نصيحة ضمنها في خطابه حول إنقاذ غابات الأمازون قبل أكثر من ثلاثة أعوام الممثل أبيض الشعر -مثل معظم قادة العالم الحديث- هاريسون فورد؛ حيث قال: هناك قوة طبيعة جديده تتقلب في كل أرجاء العالم؛ إنهم الشباب الذين -بصراحه- خذلناهم. إنهم غاضبون، منظمون ويستطيعون إحداث التغيير. إنهم جيش معنوي/أخلاقي؛ وأهم ما يمكن أن نفعله من أجلهم؛ أن “ننقلع” من أمامهم.

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.