skip to content
Skip to content

إقرأ أيضاً

إيران والعراق ما بعد خامنئي والسيستاني
627225Image1-1180x677_d
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
تدمير قرطاج أم هدم معبد فيسبوك!
Mark-Zukerberg
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
الانتقال من الفشل إلى الفشل جدًا
OIP (1)
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
أزمة الفهم الأخلاقي الأمريكي للمسلمين
gettyimages-633356570
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي: تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والمسؤولية الاجتماعية
9e45c84d-f930-4bc4-8688-378ea0820f0d
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
فوضى حواس أردني
DSC02663
Malik Athamneh3
مالك العثامنة
خارطة طريق إلى من يهمه الأمر
pexels-sabine-fischer-19052546
جودية سامي
December 10, 2023
تعبيرية/Photo by Matthew Guay on Unsplash
جودية سامي -

تحولت المعلومات من ناقل للعلم والمعرفة إلى عملة القوة، تقرر هذه الحقيقة أن التحول النوعي والكمي للإعلام الرسمي والعام، لم يعد محض أمر مرغوب، بل ضرورة وجودية. فالجميع يهدف إلى تحسين الجودة والوصول إلى والتأثير بما يرشح  للعموم من معلومات، ولا يمكن تحقيق هذا الهدف دون الاعتماد على نهجٍ شاملٍ متعدد الأوجه، يجمع بين التقدم التقني والفهم العميق لروح الثقافة، واحتياجات الجمهور. ولعل حجر الزاوية في هكذا نهضة، هو الالتزام بجودة وتنوع المحتوى، نماذج مثل هيئة الإذاعة البريطانية، أو الإذاعة الكندية، أو إذاعة مونتي كارلو نموذجٌ على تقديم محتوى متعدد اللغات لجماهير واسعة، ذات تمايزات ثقافية وهويات مختلفة. وهذا ما يفسر كون وظيفة الكتاب المترجمين ثنائيي اللغة هي الأكثر طلباً في هذه المؤسسات، طلب ليس عاماً؛ فلا يستطيع أي مترجم أن يتخطى عملية التوظيف الصارمة، فليس المتوقع فقط شخص يعرف الكلمات المتقابلة في اللغتين، بل شخص يفهم إلى جانب ذلك الثقافات المختلفة للناطقين باللغتين، وماذا تلمس ذات الكلمة، في وجدان شخصين يعيشان في عالمين مختلفين متوازيين. ولكي لا نقع فريسة الأمثلة الغربية، لننظر إلى الجنوب العالمي، والإعلام الأثيوبي نموذجاً. إعلام يعمل وسط صراعات عرقية بوجود 80 مجموعة عرقية، وصراعات دينية داخل وبين الطوائف المختلفة، متغذية بالصراعات السياسية والتنافس على الموارد. بينما يسعى عبر محتوى متنوع عرقياً، وثقافياً ودينياً أن يكون حاضنة للتعايش السلمي، ونبذ الطائفية والانقسام تحت مظلة دولة واحدة.

أما بيضة القبان كما يقولون، في هكذا تحول، هي تسخير التقدم التكنولوجي لإنشاء محتوى يجد صداه في عصر الرقمنة. يحتاج أي جهاز إعلامي إلى الاستثمار في أحدث تقنيات البث. هذا لا يعني حصراً تحديث المعدات والبرمجيات، ولكن يعني أيضاً بناء منصات رقمية قوية. لعل تحول كوريا الجنوبية إلى قوة إعلامية عالمية شاهد على أهمية الاستثمار التكنولوجي. فقد قامت كوريا الجنوبية بتطوير بنية تحتية رقمية متقدمة، تسمح بإنتاج وتوزيع المحتوى بكفاءة من خلال احتضان خدمات السحابة cloud computing. والشاهد على هذه الثورة الإعلامية الكورية لمن لم يلحق ركبها بعد؛ صعود الثقافة الكورية المعروفة بـ “الهاليو”،  وانتشار موسيقى الـ “كي-بوب” واشتهار فرق فنية كانت في مرحلة ما محلية جداً مثل BTS  و Blackpink… لا تلوموني إذا دندنتم لأيام أغنية “غانغم ستايل” بعد قراءة هذا المقال! أما في مجال الدراما، فلا بد أنكم تعرفتم على الأقل على شخص ما، ملتصق بشاشة التلفاز يتابع مسلسل Squid Game الذي تميز بقصة مشوقة وإنتاج فني على مستوى عالٍ.

ولعل أهم عوامل الإسناد لهذه النقلات الإعلامية النوعية، الارتكاز على استراتيجيات تسويق فعالة، عبر الإنترنت، والشراكات مع شركات الإعلام الدولية، والمشاركة في المهرجانات والأحداث الثقافية الدولية. ولا نغفل طبعاً الدعم الحكومي السخي الذي قدمته الحكومة الكورية لصناعة الإعلام والترفيه، ما حفز النمو والابتكار في القطاع. ماذا جنت كوريا من هذا النجاح؟ يكفيها التأثير المتزايد في الاتجاهات الثقافية والترفيهية على مستوى العالم، والصورة الإيجابية التي تشكلت عند مجتمعات لم تكن في مرحلة ما تعرف أي شيء عن كوريا الجنوبية. قالت لي مؤخراً صبية مهووسة بثقافة الهاليو، أن حلم حياتها أن تزور كوريا الجنوبية! وأكيد مثلها “مثايل”!

على أهمية كل ما تقدم، ربما ما يتوج هذه الجهود والاستثمارات ذات العيار الثقيل، أو ما يسميه خبراء التنمية الميل الأخير؛ الاشتباك مع الجمهور، وهو العامل الحاسم! من خلال التفاعل مع الجمهور في الوقت الفعلي، كما تفعل الجزيرة مثلاً، يمكن خلق حلقة تغذية راجعة ثرية بالمعلومات حول توجهات المتابعين، والتعرف على سبل التأثير بها، والاستجابة لها. الاستبيانات “المحايدة” الدورية، البرامج التفاعلية… إلخ، أدوات رخيصة، ذات مخرجات لا تقدر بثمن، لا للمؤسسة الإعلامية فحسب، بل لمؤسسات وأجهزة أعمق! كل هذا يحتاج لكوادر مدربة تحافظ على ريادة وابتكار المؤسسة الإعلامية، وتبقيها على صلة لا تنقطع مع كل ما يستجد في الإعلام، والعلم، وما بينهما. الكوادر التي لا يحفزها ويحميها ويمهننها، إلا إطارٌ تنظيمي قوي ملتزم بالأخلاق الصحفية العريقة، يعزز حرية التعبير ويحافظ عل معايير رصينة، ليشكلا معاً، أفراداً وأنظمة العمود الفقري لوسائل الإعلام الموثوقة. كل هذا سيضمن أن وسائل إعلامنا لا تقتصر على إعلام الجمهور بما يحدث فحسب، بل يحترم ذكاء وحاجة الجمهور ويحميها، كما يحمي الصحفي أيضًا.

هذ الجمهور، الذي يمثل مادة الإعلام والمستهلك لما تنتج، هو الجانب الذي يتم إغفاله عادة، فالتحول المنشود يجب أن يتبنى نهجاً موجهاً نحو الجذور، يدعم مشاركة المجتمعات المحلية في خلق المحتوى، فلننظر إلى شبكة NDTV الهندية، التي لا تقدم محتوى يخاطب شرائح مختلفة من المجتمع، ولا تشتبك معهم وحسب، بل تتحرى أن تقدم لهم المحتوى الإخباري مثلاً في قالب توضيحي من الواقع المعزز، والرسوم البيانية، والتبسيط الفعال. كما تتيح بشكل ديمقراطي للغاية برامج تفاعلية، تجس نبض الشارع، وتيسر حوارات ومناظرات حول القضايا التي تهم الناس، ما يشجع التفكير النقدي، ويحفز خلق الحلول المحلية للمشاكل العالمية. أمر لا يمكن تحقيقه تحت سطوة رقيب أمني، يخشى من حسيس فكرة جديدة.

تمويل كل هذه الجهود يتطلب استدامة مالية تتحقق من خلال تنويع الإيرادات من إعلانات، واشتراكات، وترخيص محتوى، كما فعلت بنجاح هيئة الإذاعة اليابانية  NHK، ما يضمن بقاء وسائل الإعلام ديناميكيةً وذاتية التمويل، وبالتالي مستقلة فلا تكون رهينة لرغبات الرعاة، بل تؤسس لخلق شراكات متبادلة الفائدة توفر الدعم المالي اللازم وتخدم وإن بشكل غير مباشر، القطاع الخاص ورأس المال.

رحلة التحول المتعددة الأوجه هذه؛ مكلفة من حيث الموارد، وطويلة الأمد من حيث الوقت، لكنها بلا شك مجزية. لا يكون الكاسب فقط، المؤسسة الإعلامية، الرسمية والخاصة، بل كل المجتمع، ومؤسساته وأفراده… ومستقبله!

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.