skip to content
Skip to content

إقرأ أيضاً

أوروبا المحبطة أمام خطر مميت
Olaf-Scholz-et-Emmanuel-Macron-a-la-Sorbonne-a-Paris-le-22-janvier-2023-1562355
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
إيران والعراق ما بعد خامنئي والسيستاني
627225Image1-1180x677_d
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
تدمير قرطاج أم هدم معبد فيسبوك!
Mark-Zukerberg
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
الانتقال من الفشل إلى الفشل جدًا
OIP (1)
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
أزمة الفهم الأخلاقي الأمريكي للمسلمين
gettyimages-633356570
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي: تحقيق التوازن بين التقدم التكنولوجي والمسؤولية الاجتماعية
9e45c84d-f930-4bc4-8688-378ea0820f0d
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
الروائي خالد خليفة بين مقامي الحياة والموت
Colette Bahna 2
كوليت بهنا
October 7, 2023
الروائي خالد خليفة @socialmedia
كوليت بهنا -

مع كل فقد جديد لمبدع استثنائي ومميز أمضى حياته محلقاً خارج السرب، يعاد فتح أسئلة جوهرية عن قيمته الأدبية والمعنوية وإرثه الابداعي، وتسترجع محطات حياته المرتبطة في أغلب الأوقات بالملاحقة والتضييق، وكفاحه المضني لتحسين شروط العيش، وكمّ الجهد الذي بذله للتوازن والتشبث بحريته الداخلية والاستمرار في إبداعه وهو مبلل بوحل هذه الحفر، وأي قهر صاحب يومياته الشقية وأفضى به في نهاية الأمر إلى اعتلال الجسد وضعف القلب في معظم الحالات.

هذي حال غالبية المبدعين الذين ينتمون إلى واحدة من دول العالم الكثيرة التي تضيّق على حرية التعبير وتكمّ الأفواه والأنفاس. وهذي حال آخر الخسارات المدوية التي تمثلت بفقد مفاجئ للروائي السوري/العالمي خالد خليفة، الذي وافته المنية في بيته في دمشق عن عمر ناهز 59 عاماً نهاية شهر أيلول المنصرم إثر نوية قلبية حادة، وشيعه أصدقاؤه ومحبوه في جنازة غير رسمية، مهيبة في أثرها وفيض طوفان الدموع التي ذرفها المشاركون بها.

“لم نسمع بإسمه قبل اليوم، وليس نجماً تلفزيونياً معروفاً فلم يشارك بعض نجوم الثقافة والدراما في تشييعه؟ هذا كاتب. ومن يكترث لكاتب في حياته أو موته؟ وماذا يعني روائي؟ أو يستحق كل هذا الحزن؟”.

أخمن أنها أسئلة تداولها المارة الذين استوقفهم بفضول حشد المشيعين، وتداولها فيما بينهم أو دارت في أذهان طلبة المدارس الذين تزامن خروجهم من صفوفهم موعد الجنازة عقب صلاة الظهر من جامع”لالاباشا” الدمشقي. لكنها أسئلة سيكتشفون عمق إجاباتها في المستقبل، حال انغماسهم في معارك الحياة الحقيقية، وربما سيتذكرون باحترام أن دمشق شيعت كاتباً حراً في زمن عسير، وأنهم شهدوا في طفولتهم جنازة مبدع كان يحفر في الصخر، لأجل حريتهم وكرامة الأجيال القادمة.

كتب خالد خليفة الحاصل على إجازة جامعية في الحقوق، الشعر والمقال والسيناريو الذي أكسبه شهرته الدرامية بأكثر مسلسلين أهمية “سيرة آل الجلالي” و”العراب” في جزئه الثاني. لكنه انحاز وتفرغ لمشروعه الحقيقي في الحياة المتمثل في الرواية، وأنجز إلى حين وفاته عدداً من الروايات التي ترجمت إلى عدد كبير من أهم اللغات العالمية، من أبرزها” مديح الكراهية”،”لاسكاكين في مطبخ هذه المدينة” ،”الموت عمل شاق”، “لم يصلّ عليهم أحد”.

نال جائزة نجيب محفوظ الرفيعة 2013 ، ورشح لجائزة “الإندبندنت”، كما رشح مرتين في القائمة الطويلة ثم القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية “البوكر”. كتبت عنه كبرى الصحف العالمية وأنجز رواية لم تر النور بعد خلال منحته الأدبية الأخيرة في سويسرا، وقبل وفاته بأيام أعلن عن ترشحه في القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الوطني في الولايات المتحدة عن روايته” لم يصل عليهم أحد”، والتي ستعلن نتائجها في 15 نوفمبر القادم.

لايتسع المكان هنا للحديث عن إنجازه الإبداعي الهام الذي حصد كل هذا الاهتمام والتقدير وأوصل الرواية السورية إلى العالمية باقتدار، إذ هيمنت بعد وفاته صدمة الفقد الحادة المتعلقة بشخصية خالد خليفة بذاتها، باتساع رحابتها اللامتناه. وفي الواقع من عرف الرجل عن قرب، يدرك مدى تلازم المسارين الشخصي والابداعي في حياته وتناغمهما، دأب خالد ببساطة وعفوية لبناء وتعزيز هذا التوازن بين مكانته وقيمته الأدبية العالمية، وبين انخراطه في قاع المجتمع وانحيازه له.

الحب الكبير الذي أفرز كل هذا الحزن والاحساس بالفجيعة لغيابه، لم يتأت من فراغ، وكانت معادلة خالد خليفة بسيطة للغاية في خلق هذا الحب، بأنه فقط كان صديقاً مخلصاً وإنساناً ودوداً ومحباً للجميع، دون تكلف أو تعالٍ أو استعراضات أو فزلكات ثقافية، فبادله الجميع الحب بالحب، مؤكداً عبر سيرته الذاتية والابداعية معاً، أن الكاتب المبدع، الإنسان أولاً، يتواضع تواضع الكبار، وهو ابن مجتمعه، ينتمي وينحاز إليه في شتى الظروف، ويعيش معه أفراحه وأحزانه وشقائه ومعاناته على حد سواء، وهو ماأثبته مراراً بتشبثه بعودته إلى دمشق رغم كل الفرص العالمية التي حصل عليها لإقامات سلسة ومريحة في الخارج.

خالد خليفة صانع الإبداع الاستثنائي الذي سيدوم أثره طويلاً، وصانع المحبة والبهجة، الذي كان أنموذجا شهياً للحياة، سيغدو أيضاً أنموذجاً شهياً لمعنى سيرة كاتب، نجح باجتهاده وشجاعته ومثابرته الذاتية فقط في بناء اسمه ومنحه هذه القيمة الكبيرة، فتح قلبه لجميع الهويات والانتماءات والأديان والطوائف، ناصر جميع حقوق الشعوب والمظلوميات دون تردد، وعكس كل هذه الحرية الداخلية بانسيابية وسلاسة ملفتة في سلوكياته، وأيضاً في نصوصه الإبداعية، الثرية بالذكاء والتوازانات والحب.

عاش خليفة في بيته المرتفع يشهد من شرفته صباحات دمشق بتجلياتها ويدوّنها، ويرقد اليوم في مقبرة “التغالبة” أيضاً في حي مرتفع من جبل قاسيون المرتفع، وكأني به في مقاميّ علوّ دائم في الحياة والممات، قريباً من مقام الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي، ومجاوراً لعشرات المقامات والمزارات التاريخية المنتشرة في أعالي قاسيون، وهو الذي أحب التاريخ وانغمس به في كل أعماله، وأضاء على بعض قصص مظلومياته المنسية أو المغيبة ومنحها قيمتها الإبداعية وخلودها. وعلى بعد أمتار من بيته الأبدي، يرقد فنان الكوميديا القدير ياسين بقوش، أخمن أنهما سيؤنسان وحدتهما، وسيتشاركان القهقهات التي قد نسمعها يوماً تصدح عالياً من أعالي جبل قاسيون، المعروف بالجبل الشاهد.

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.