Placeholder canvas Skip to content

إقرأ أيضاً

التطبيع مع غزة... ما بعد الشفقة المراوغة
emad-el-byed-UsA2-DkWAqI-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-04 at 19.42.28
سامح المحاريق
انشاالله ولد Inshallah A Boy
MV5BNzU4MjE2MGEtZWQ0OS00OWJlLTg2NDMtMTYwZjBiNWRmMWM2XkEyXkFqcGdeQXVyMTQ5Mzc5MDU@._V1_
Colette Bahna 2
كوليت بهنا
ببساطة لن نصنع ذكاء صنعي عربي  
NAT-240212-WGS-Al-Olama-NVIDIA-VSAKLANI-5-1707819662512_18da1fbfccf_medium
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
تداعيات طوفان الأقصى على أمريكا
chalo-gallardo-osEPqpllQc8-unsplash
1470166
د. زيد بن علي الفضيل
رفح ترفع من الشغب السياسي الغربي غير المتماسك
patrick-perkins-uMsn8YbxYlc-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
سطوة الميليشيات ومعاناة سكان المنطقة
frederick-shaw-4__d0AAcakg-unsplash
Omran
عمران سلمان
بين الطنطورة وغزة"أساس التدنيس"
Colette Bahna 2
كوليت بهنا
November 25, 2023
ملصق الفيلم
كوليت بهنا -

“أمّة تجهل ماضيها، فقيرة في حاضرها، ومستقبلها يكتنفه الضباب”.

بهذه العبارة المنسوبة لمواطنه إيغال إيلون، السياسي الإسرائيلي البارز، يفتتح المخرج الإسرائيلي ألون شفارتس فيلمه الوثائقي “الطنطورة”، وهو الفيلم الذي كتبه وأنتجه، وواجه منذ إصداره في يناير 2023 ردود فعل وضغوطات إسرائيلية عنيفة ضده على الصعد الرسمية السياسية والإعلامية وحتى الشعبية، بوصفه فيلماً يتحدث عن “النكبة” التي تعتبر واحدة من تابوهات السياسة في الدولة العبرية.

سيشاهد العالم في هذا الفيلم مالم تسبق رؤيته من مواد أرشيفية ووثائقية بالغة الأهمية عن حرب 1948، أعدت لتكون جزءاً من الفيلم ولأجل توضيح الأحداث المذكورة في سياقه كما يوضح المخرج في المقدمة، التقط بعضها في محيط قرية الطنطورة لدعم الفيلم درامياً إضافة إلى مقابلات مع بعض شهود العيان من الاسرائيليين والفلسطينيين، كما اعتمد على ثروة من التسجيلات الصوتية والصور الفوتوغرافية وبعض مقاطع الأفلام القديمة التي احتفظ بها طالب الماجستير تيدي كاتس، وهو محور الفيلم الذي بنى المخرج فكرة انتاجه عليه.

تيدي كاتس باحث إسرائيلي كان يعتقد أن عمليات إبادة حدثت لسكان قرية الطنطورة سنة 1948. وقرر تأريخ مجزرة هذه القرية في بحث أكاديمي لنيل شهادة الماجستير من جامعة حيفا. اعتمد تيدي في رسالته على مقابلات وتسجيلات صوتية لجنود قدامى خدموا في لواء “الاسكندروني” الذي هاجم قرية الطنطورة واعترفوا بمشاركتهم بفظائع هذه المجزرة دون أي تأنيب للضمير من معظمهم، لكنهم تراجعوا لاحقاً وقاضوه واتهموه بالتزوير، كما رفضت وشطبت رسالته للماجستير، ولوحق، وتحولت قصته إلى قضية رأي عام.

يقول تيدي كاتس شبه العاجز عن الحركة إثر سكتات دماغية متتالية أصابته أولاها عقب الغضب عليه بادئ الأمر: “لطالما رأيت ولا أزال أرى أن أساس الكارثة، ويمكننا تسميته أيضاً بأساس التدنيس هو عام 1948، وإلى يومنا هذه أغلب ما حدث سنة 1948 لم يكتفى بالتكتم عليه، بل طمس أيضا”. ولأن مواطناً اسرائيلياً وطالب ماجستير مثله يحمل مثل هذا الرأي الصادم حول فظائع دولته وجيشه، حول الذاكرة والخديعة الأخلاقية والتاريخية المتراكمة، سيكون من الطبيعي أن يتحالف القضاء والسياسيون والاعلاميون والجامعة والجنود القدامى الذين التقاهم وأيضاً عامة الشعب ضده بسبب هذا الرأي وهذه الرسالة التي توضح تورط جنود لواء “الاسكندروني” في المجزرة، وتمس المحرمات الاسرائيلية وتناقض الفكرة التي تشيعها إسرائيل أن جيشها “هو الأكثر أخلاقية في العالم”. وأن يتلقى مكالمات تهديد هو وزوجته بالقضاء عليهما، وأن يصير “رجلا غير مرغوب به في هذه الدولة، ورجلاً مثيراً للفتن” كما يقول محاميه في شهادته في الفيلم.

لن يُكتفى بمعاقبة تيدي بشطب رسالته وتحويله إلى القضاء، بل إنه سيقف في مواجهة مجموعة كاملة ترغب في دفنه كما يضيف محاميه. وسيُطالب من الجامعة بتقديم اعتذار، سيقدمه صاغراً، لكنه وبعد مضي سنوات سيندم وسيعتبر أن اعتذاره كان أكبر خطأ ارتكبه في حياته، وسيتراجع عنه، ويستأنف، قبل أن يسلم ثروته من هذه المواد الأرشيفية الحساسة إلى المخرج الذي سيحولها إلى هذا الفيلم الوثائقي الهام، الاحترافي بذكاء في محتواه وإخراجه، والذي يترك عظيم الأثر لدى المشاهد، الفلسطيني والعربي بشكل أخص، مع استعادة أجواء 1948 وتقسيم فلسطين ومن ثم الحرب التي يسميها الإسرائيليون حرب الاستقلال، فيما يسميها الفلسطينيون النكبة التي افتتحت بمجزرة الطنطورة وغيرها من القرى الفلسطينية.

الطنطورة التي تحولت بعد إبادة أهلها واستيطانها إلى “كيبوتس نحشوليم” حيث يقطن تيدي كاتس مع زوجته، يصفها موقع “فلسطين في الذاكرة” بأنها قرية استراتيجية الموقع، ثرية في مزروعاتها، تنتصب على تل صغير يرتفع قليلاً عن الشاطئ الرملي، تحيط بها قرى الفريديس، عين غزال، جسر الزرقاء، وكبارة، وكانت طريق فرعية تربطها بالطريق العام الساحلي وتصلها بحيفا وبمراكز مدنية أخرى، كما كان فيها محطة للقطار، ومقام، وأنشئت القرية قرب آثار بلدة “دور” الكنعانية الشهيرة التي تعني المسكن، وقد ظهر اسم هذا المكان أولاً في نقش فرعوني يعود تاريخه للقرن الثالث عشر قبل الميلاد، كما يظهر في نص كتبه وين -آمون احد المسؤولين في المعبد المصري ويعود تاريخه إلى 1100 قبل الميلاد، ويذكر فيه أن جماعة فلسطينية هاجرت إلى ذلك الموقع في القرن الثاني عشر قبل الميلاد.

هُجّرت نساء الطنطورة وأطفالها، وأبيد رجالها على يد جنود لواء “الاسكندروني” كما تظهر وثائق الفيلم، وذلك عبر الطلب منهم بحفر خنادق تم دفنهم فيها، يكشف الفيلم بالوثيقة والتقصي أن هذه المقبرة الجماعية تقع مباشرة تحت موقف للسيارات بني فوقها لطمس معالمها، أي أن المارة والسيارات يدوسون فوق جثامين أبناء القرية، شأنهم شأن مئات الفلسطينيين الذين قتلوا في مجازر مشابهة في المئات من القرى الفلسطينية الأخرى.

لكن متابع الفيلم لابد انه سيطرح أسئلة حول قصة مجزرة قرية الطنطورة ولماذا تحظى بهذه الأهمية وتم التركيز عليها دون غيرها من مئات المجازر التي ارتكبت لاحقاً وماتزال ترتكب؟ لتأتيه الإجابة بداية بمعنى ومدى أهمية البحث السينمائي عن المحتوى المسكوت عنه أو الممنوع من التداول، ومدى تأثير هذه النوعية من الأفلام التوثيقية في إعادة الحقوق المعنوية لأصحابها وإنصافهم تاريخياً عبر تحريك العدالة والقوانين الدولية والمقاضاة.

كما يمكن اعتبار مثل هذا الفيلم درس في الشجاعة والنبل والجرأة عبر تحدي الباحث الإسرائيلي لدولته وإثارته لقضية من المحرمات، وكشف الزيف والخداع الذي مورس وما يزال منذ 75 عاماً، جنباً إلى جنب مع شجاعة المخرج ألون شفارتس وتبنيه إنتاجياً وأخلاقياً لهذا الفيلم، لأجل إظهار الحقيقة وتصحيح التاريخ. فهل دافعهما كان الندم؟ أم محاولة التطهر؟ أم لأنهما فقط من الشرفاء الذين ينتمون إلى الإنسانية والضمير والأخلاق مهما كانت جنسيتهم أو دينهم، وهو المؤكد من خلال هذا الفيلم الصادق والمؤثر إلى حد الألم.

في الفيلم يظهر أكاديمي إسرائيلي آخر يتحدث عن أسفه مما ارتكبته دولته، بقوله:” صدقني نحن شعب طهور.. كنا شعب لطيف”. وفي الوجه الآخر يظهر مجند قديم في لواء “الاسكندروني” ويقول:” في حرب الاستقلال(النكبة) لم نفقه سوى شيء واحد ألا وهو، إما أنا، وإما هم”. بين هذا وذاك، تستمر المجازر حتى هذه الساعة على مبدأ إما أنا وإما هم، إذ لا أحد يحاكم القتلة أو يحاسبهم، ولو حوكم المدانون في مجزرة الطنطورة”، ربما لما تراكمت كل هذه المجازر في التاريخ الحديث، الذي نشهد فيه اليوم كل هذه المجازر منقولة ببث حي على الهواء مباشرة، دون مواربة من فاعلها أو تستره، ودون خوف أو تردد أو محاولة طمسها.

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.