Placeholder canvas Skip to content

إقرأ أيضاً

التطبيع مع غزة... ما بعد الشفقة المراوغة
emad-el-byed-UsA2-DkWAqI-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-04 at 19.42.28
سامح المحاريق
انشاالله ولد Inshallah A Boy
MV5BNzU4MjE2MGEtZWQ0OS00OWJlLTg2NDMtMTYwZjBiNWRmMWM2XkEyXkFqcGdeQXVyMTQ5Mzc5MDU@._V1_
Colette Bahna 2
كوليت بهنا
ببساطة لن نصنع ذكاء صنعي عربي  
NAT-240212-WGS-Al-Olama-NVIDIA-VSAKLANI-5-1707819662512_18da1fbfccf_medium
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
تداعيات طوفان الأقصى على أمريكا
chalo-gallardo-osEPqpllQc8-unsplash
1470166
د. زيد بن علي الفضيل
رفح ترفع من الشغب السياسي الغربي غير المتماسك
patrick-perkins-uMsn8YbxYlc-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
سطوة الميليشيات ومعاناة سكان المنطقة
frederick-shaw-4__d0AAcakg-unsplash
Omran
عمران سلمان
الخط ده خطي
pexels-sabine-fischer-19052546
جودية سامي
December 23, 2023
تعبيرية/ Photo by cottonbro studio@Pexels
جودية سامي -

“ناوليني المتكة”، “اسمها مكتة، تفضل”. “لا اسمها متكة!!”، “لا مكتة لانك بتكتّ فيها سَكَن السيجارة!” أجاب: “يا ستي مطفأة السجائر، أو منفضة السجائر. على فكرة كلمة سيجارة ليست عربية أيضاً، بتحبي أقول لك: لفافة التبغ؟” تركتهما يتجادلان، وجعلت أسترجع قصيدة حافظ ابراهيم التي أنطق فيها اللغة العربية عن حالها وهي تنعى نفسها. وتساءلت: هل تموت اللغات كما يموت الناس؟ يموت الإنسان فجأة، وقد يموت على مراحل؛ كلما فشل في جسمه عضو أو مجموعة خلايا، أو تعرقلت فيه عمليات حيوية بسبب مرض أو هرم أو إصابة، أو يموت بالتدريج كلما حمل هماً، وشرخاً في القلب، وكلما فقد حبيباً، وصاحباً وأملاً.

لن تموت لغة بين ليلة وضحاها إلا بفعل مجزرة جماعية تطال كل الناطقين بها وهو أمر –على بشاعة الجنس البشري- غير متصور، لكن الموت التدريجي الذي يتحقق بالانقطاع بين الأجيال هو ما شهد عليه الزمن. عندما لا يُعلّم الأطفال اللغة بسبب الضغوطات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية، وينزاحون نحو لغة أكثر هيمنة، تحتضر اللغة. وقد يتحول المتحدثون إلى لغة أكثر هيمنة بسبب الفوائد المتصورة لها، مثل الفرص الاقتصادية الأفضل للناطقين باللغة المهيمنة، فرص التعليم، أو الهيبة الاجتماعية. وما أكثر الأسر في مجتمعاتنا التي تتحدث مع أطفالها لغة لا يتقنها الأهل أنفسهم بشكل كامل، على أمل أن تجعل الممارسة هذه فرص أبنائهم أفضل من فرصهم. وحتى أكثرنا التصاقاً باللغة العربية اليوم لا يجد أسماءً عربية للعديد من المعدات التي يستخدمها، أو الأفعال التي يقوم بها خلال يومه، حتى أن بعض الكلمات التي درجت على ألسنة الحرفيين للعمليات التي يقومون بها أو اسماء الأشياء التي يستخدمونها “على اعتقادهم أنها عربية”، ما هي إلا تحوير لكلمة أجنبية. فالميكانيكي -الذي يأتي اسم مهنته أصلاً من كلمة لاتينية- يُقسِم أن محور السيارة الخلفي اسمه العربي”بككس”، وهو طبعاً لا يعرف اسمه الأصلي. ويقوم زميلي بالعمل بغوغلة معلومة ما، مستخدماً محرك البحث غوغل، الذي ليس له شقيق عربي، وتطلب الفتاة من النادل “اورانج جوس” لأن عصير البرتقال ليس “كول” بما يكفي! فعلاً كل فرنجي برنجي! مع تولي اللغة المهيمنة، يقل استخدام اللغة الأصلية تدريجياً ولأغراض أقل. قد يقتصر استخدامها على سياقات معينة مثل الاستخدام المنزلي أو المراسمي في مناسبات وطقوس محدودةً بذلك النطاق الوظيفي.

وإذا تحدثت مع معلم لغة عربية، من الرعيل الأول الذي بدأ ينقرض، سيشكو لك من أزمة حادة من فقدان كفاءة اللغة العربية، فقدان يبدو أقرب إلى التآكل السريع. فقد يحتفظ طلبة الجامعات والمدارس في البلاد العربية ببعض الفهم للغتهم الأم ولهجاتهم المحكية الأصلية، ولكنهم يفتقدون القدرة على التحدث بطلاقة أو استخدامها في مواقف معقدة، وحتى في التعبير عما يشعرون. لقد أصبح مشهداً معتاداً أن تسمع وأنت تتمشى في مجمع تجاري، أو شارع من شوارع العواصم العربية، شباباً وشابات من نفس عرقك ولونك ولسانك، “يرطنون” بالإنجليزية أو الفرنسية كامل حواراتهم، التي لا بد تتعلق بمشاعرهم واهتماماتهم. ولكن عندما يرن جرس الهاتف ويظهر اسم “ماما” على الشاشة، ينقلب لسانه إلى العربية البيضاء. لعل الوضع أفضل في الأطراف والقرى، يتحدث الشباب لهجة أهليهم بشكل أكثر من لغة أجنبية، لكنهم لا يتقنون أصول العربية الفصحى، ولا يعرفون من أين تأتي أسماء الأشياء والأفعال، فهم يتنقالون اللغة دون فهم أو وعي، ويبتكرون مصطلحات خاصة بهم، لا يعرفها الكبار ولا تنتمي لأي طائفة من طوائف اللغات. سنجد في نهاية المطاف، أن العربية تتحدث بطلاقة نسبية من قبل الجيل الأكبر سناً، وعندما يموت الكبار، ستفقد العربية متحدثيها الطلقين وتصبح خامدة. يقول إدوارد سعيد، المفكر العالمي العربي، المتمكن من اللغتين الانجليزية والفرنسية، والذي كان ملماً إلماماً جيداً بالألمانية والإيطالية أيضاً، قال: “لا يمكنك أن تكون مبدعًا في لغة إلا إذا كنت قادرًا على التحكم في لغتك الأم بالكامل”. فإذا كانت اللغة الإنجليزية أو الفرنسية لغتك المهنية، فلغتك الأم هي لغة عواطفك، ومشاعرك وبالتالي ثقافتك الأصلية. وتعبيرك الذاتي عن عواطفك هو المدخل لتقدم نفسك وما تشعر وما يهمك للآخرين.

لكن لماذا اللغة مهمة؟ وما معنى أن تموت لغة أو تحيى؟ اللغة جزء أساسي من الهوية الثقافية للشعوب، عندما تموت لغة ما، تفقد مجموعات الناس الناطقة بها، جزءاً مهماً من تراثهم وهويتهم المعنوية والمادية. مؤدى إضعاف الشعور بالانتماء للغة والاعتزاز بالتراث؛ وسهولة السيطرة على الشعوب، ونزعها من جذورها، وجعل تراثها الإنساني عرضةً للمصادرة. وأين يقف من يفقد لغته، ماذا يعني أن تكون من فصيلة معرضة للانقراض، الأخيرَ الناطقَ بلسان قومك، ياللتركة المؤلمة! يحاول المستعمر دائماً أن ينزع اللغة الأصلية لشعوب الأراضي التي يستعمرها. العثماني الذي يشترك معنا في الدين، ويتلو القرآن الذي أعطاه حق الخلافة الإسلامية، ضغط بالاتجاه المعاكس لكل ما هو مشترك، بأن فرض استخدام اللغة التركية في الإدارة والحكومة، في مناطق مثل الشام والعراق، وفي مناطق البلقان أيضاً وعاقب بطريقة أو بأخرى الناطقين بلغتهم الأصلية. المستعمر الأمريكي عمل جاداً لطمس كل ما هو أصلي في المكان والأشخاص عندما احتل القارة الجديدة. فجعل بشكل متعمد يمحو لغة القبائل الأصلية ويمنعهم من ممارسة طقوس عباداتهم، ويصادر ما يستخدمون من أدوات وملابس ورموز… وحروف! وتبنى نفس الاتجاه في جزر هاواي، ولم يعد لدى السكان الأصليين من روابط مع جذورهم إلا وجوههم المميزة، وألوان بشرتهم ورواسب لغة أصبحت بائدة، ولولا أن في ثقافتهم عوامل جذب سياحي لفقدوا حتى طوق الورد ورقصة الترحاب الهاوايية الجميلة.

هذه السياسات ما هي إلا جزء من استراتيجيات أوسع للتحكم والهيمنة والتي تضمنت محاولات لمحو أو تهميش الثقافات الأصلية وتعزيز الثقافة واللغة المهيمنة. وها هو العدو الصهيوني، يحاول جاداً محو جذور العرب الباقين في الداخل وتدجينهم في دولة يهودية لا تعترف بهويتهم، عبر تزوير التاريخ. فمن خلال تشريع قانون القومية، تم إزالة اللغة العربية كلغة رسمية من لغات دولة الاحتلال. وسبق ذلك تحويل أسماء شوارع المدن الفلسطينية منذ الأيام الأولى لاحتلال الساحل الفلسطيني إلى أسماء عبرية. لكن الحيفاويين مثلاً ما زالوا يطلبون من سائق التاكسي مهما كانت لغته، أن يمر من شارع الأمم لا شارع الصهيوينة، ويسمونه حي الزيتونة لا شارع اللنبي، ومفترق زعترة لن يصبح في عرفهم مفترق تافواح في أي حال من الأحوال. وإياك أن تعتقد أن اللغة العربية المخطوطة على الشاخصات في شوارع فلسطين المحتلة هي حبٌ وكرامةٌ من شلومو لسواد عيون العرب، أو اعتناقاً لمبادئ التعايش السلمي، لكنها نتاج لحروب يومية يخوضها الفلسطيني الأصلي في الكنيست، والبلدية، والمحافل العامة، ولم تأتِ إلا بشق الأنفس والدموع والعرق.  سيحاول الإسرائيلي بشتى الطرق محو اللغة، لأن ذلك جزء أصيل من محو الموروث والتاريخ والإنسان، وتثبيت وجوده غير المشروع على أنه أصيل… لكن هيهات، فالعربي في الداخل الفلسطيني ممعن في عروبة عصية على عوامل الحت والتعرية العارضة ناهيك عن الهدم الفاجر المتعمد. 

في زيارة أخيرة إلى فلسطين المحتلة، أدهشني تمسك الفلسطينيين صغاراً وكباراً بثقافتهم ولغتهم، لغة سليمة صحيحة لا تشوبها شائبة. وعندما يتحدثون بالعربية البيضاء، تسمع بين تموجات حروفهم، وكلماتهم توريات تكشف عن الزاوية التي يأتون منها، لا القرية فقط. لعل هذا التمسك أصله أزمة وجودية، وإدراك أن اللغة معقل أساسي للثقافة والتراث، وأن التهاون فيها يعني بداية النهاية. تعرف العربي لا من شكله وحسب “فأبناء عمومتنا المحتلين يشبهوننا شكلاً لولا دماؤنا التي تلطخ أكفهم”، لكنك تعرف العربي من الصوت ونغمته قبل أن تسمع الكلمة، وإذا أغمضت عينيك وانصتت، ستأخذك اللهجة، مع صوت البحر المجاور، وضجيج المحيط الذي سيبقى عربياً مهما حاولوا تهويده، ستأخذك إلى يوم جميل في منتصف العقد الرابع من بداية القرن الماضي. للحظة سيكون الاحتلال كأن لم يكن.  علّموا أبناءكم لغة آبائكم، اغمروهم بتفاصيلها، وعرفوهم وتعرفوا معهم من أين أتت الكلمات، بسّطوها، واستخدموها معهم عن سبق اصرار وترصد، واجعلوها عقدة لا تنحل تجمع كل شؤون حياتكم ويوميات روتينكم الأسري، أدخلوها في عملكم ومهنتكم وتعاطيكم مع الآخرين، وليتمسك المسؤولون في دولنا العربية بالحديث بها، وإن أتقن لغة نظيره من دولة أجنبية، علّنا نعز بعزّها… ولا نندثر بضعفها!

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.