Placeholder canvas Skip to content

إقرأ أيضاً

التطبيع مع غزة... ما بعد الشفقة المراوغة
emad-el-byed-UsA2-DkWAqI-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-04 at 19.42.28
سامح المحاريق
انشاالله ولد Inshallah A Boy
MV5BNzU4MjE2MGEtZWQ0OS00OWJlLTg2NDMtMTYwZjBiNWRmMWM2XkEyXkFqcGdeQXVyMTQ5Mzc5MDU@._V1_
Colette Bahna 2
كوليت بهنا
ببساطة لن نصنع ذكاء صنعي عربي  
NAT-240212-WGS-Al-Olama-NVIDIA-VSAKLANI-5-1707819662512_18da1fbfccf_medium
WhatsApp Image 2023-11-29 at 18.16.00
م. رشاد أنور كامل
تداعيات طوفان الأقصى على أمريكا
chalo-gallardo-osEPqpllQc8-unsplash
1470166
د. زيد بن علي الفضيل
رفح ترفع من الشغب السياسي الغربي غير المتماسك
patrick-perkins-uMsn8YbxYlc-unsplash
WhatsApp Image 2023-10-12 at 13.46.04
كرم نعمة
سطوة الميليشيات ومعاناة سكان المنطقة
frederick-shaw-4__d0AAcakg-unsplash
Omran
عمران سلمان
آنست نارا
WhatsApp Image 2023-10-13 at 09.24.41
أماني حماد
October 20, 2023
Image by Freepik تعبيرية
أماني حماد -

نغرق في تيار جارف من المعلومات كل يوم، شكراً لعصر الرقمنة.

 أمسك الهاتف عندما أفتح عيني لكي اوقف جرس المنبه الصادح في ساعة مبكرة، وسرعان ما أشرع في التنقل بين التطبيقات، بدايةً بهدف بريء، مثل معرفة حالة الطقس، ولا أعلم كيف أجدني بعد دقائق أكتب تدوينة عن خبر ما قرأته وأنا في منطقة الغسق بين النوم واليقظة. وعندما أستعد للنوم، ألقي نظرة أخيرة على خلاصات الأخبار، لأجد نفسي بعد ساعات منجرفة وراء تصفح-إنتحاري doom-scrolling يغرقني تحت ركام الأخبار التي تطاردني لاحقاً في أحلامي. وكيف لك أن لا تغرق، وسيلُ الأخبار لا يتوقف، وإذا كنت مثلي، كائناً يتغذى على المعرفة، أراهنُ أنك مشترك في قنوات إخبارية من كل بقاع المعمورة، تبثُّ لك كل دقيقة ما هو مثير للاهتمام، وقد يوهمك بعضها أن اختراقاً علمياً جديداً هو الحل لمشاكل البشرية، والبوابة إلى الجنة على الأرض، بينما تشعر بغرق جاف بعدها بثوانٍ وأنت تقرأ خبراً عن التغير المناخي والمصير المرعب لبعض المدن الساحلية التي نحب في المستقبل المنظور. ناهيك عن مستنقعات الأخبار الكاذبة، التي، بفضل الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على تدعيم الكذبة بصورةٍ من لحم ودم، تكاد تكون واقعية للغاية إلى أن تنتبه إلى عدد أصابع شخص فيها. فكيف نفرق بين الحقيقة والكذب؟ وكيف نبعد عواطفنا وانحيازاتنا الشخصية من لجنة الحكم.

تقرر ميتا، تويتر، تيك توك وغيرها مسبقاً ما ينبغي لك أن تشاهد، وإذا كنت من مدمني التصفح الانتحاري قد تكتشف أنك تهوى الطبخ، أو الاعتناء بالنباتات المنزلية، او “الكروشيه”، أمور لم تكن تجذبك سابقاً. بين المحتوى المرتكز على التشويق، إلى المحتوى الساخر، مروراً بالمحتوى الجاذب بفراغه (مثل فيديو تنظيف الحمام، أو عجن الطين المطاطي اللزج slime) تحري الدقة ليس أحد أولويات خوارزميات هذه المنصات ولا معدي المحتوى فيها. من السهل جداً أن تنغمس في السلايم، ومن الأسهل أن تطفو على بحر من الآراء الأكثر تطرفاٌ، لا الأكثر صدقاً. إن معدّي المحتوى في هذه المنصات ليسوا صحفيين بالضرورة، لم يقسموا يميناً على المهنية ولم يُعَمَّدوا بماء المهنة التي تتشرف ببحثها عن الحقيقة بشكل موضوعي. يهدف هؤلاء فقط لحصد المشاهدات والمتابعات، لتحقيق ربح ما… طبعاً إلا من رحمَ ربي. ولعل الأحداث الأخيرة في فلسطين المحتلة خير مثال على “طوفان” المعلومات الكاذبة والزائفة. أتعمد التفريق بين الكاذب والزائف؛ فالكذب لا يتعدى كونه رواية مغايرة للحقيقة، بينما يسعى الزائف من الروايات لتدعيمها بأدلة غير موجودة، وهنا يكون الذكاء الاصطناعي والـ deep fake أداة مقنعة. لا تؤدي المعلومات الزائفة لخلق حقائق منحرفة وحسب، بل تعزز الانحيازات، تعزز الشروخ بين المجتمعات والأفراد، وتبرر الظلم. ويقع كل هذا المحتوى قاصراً عن فهم التعقيدات والتفاصيل التي يشكل صغيرها قبل كبيرها مفاصل تعريف الصراع العربي الاسرائيلي، وفهم صيرورة الأحداث لما هي عليه الآن. وهنا قد يقدم لك محتوى صحفي مهني صورة لحظية دقيقة وواقعية، لكن مشاهدتها في انفصال عن السياق تُرَتِّبُ تبعاتٍ خطيرة عند إصدار الأحكام حول ما تعنيه. لم يعد يتطلب الأمر بناء مدن من الفلين واستئجار ممثلين لرسم صورة لنزاع دموي (من شراب الذرة الأحمر) لإقناع المشاهد بأن جرائمَ ترتكب في مكان من العالم، كل ما تحتاجه لوحة مفاتيح، خيالٌ واسع وتطبيق إلكتروني ذكي.

تقدم وسائل التواصل الاجتماعي رواية بديلة للرواية الرسمية، وإنني أدين لبعض الحسابات على انستاغرام وتيك توك بالكثير من الوعي الذي تشكل لدي في السنوات الأخيرة حول حياة الفلسطينيين في الداخل، أو حياة الغزيين أو غيرهم من المقهورين في فلسطين المحتلة. إن الرواية البديلة التي يقدمونها، من واقع حياتهم اليومية، تسجل للإنسانية ما يعنيه الاحتلال، وأثره على قدرة الإنسان على الصمود. من السهل أن تقرأ أن الشخص الذي يحمل هوية الضفة الغربية المصدرة من السلطة الفلسطينية لا يستطيع دخول غزة مثلاً، لكن أن تسمع قصة إنسانية لشخص حُرِم من وداع ذويه الوداع الأخير، بينما يبعدون عنه ساعة في السيارة أمر مختلف. ندين جميعاً بالشكر لفن السرد الحديث الذي فتح أعيننا على العديد من الانتهاكات، وأيضاً على الانتصارات الصغيرة التي يحققها البعض تحت الاحتلال. لكن فن السرد هذا متاح أيضاً للآخر، الذي تقمص هويتك كصاحب المكان، وتقمص جذورك وتاريخك وحتى وصفاتك الشعبية! من السهل اطلاق أحكام معممة عن الحسابات بسبب ارتباطها بمتابعين معينين، أو بوسم معين. كل ما تقدّم، يجعل إصدار الحكم حول ما تتابع وما لا تتابع مهمة شاقة، محفوفة بتأثير الرواية الشخصية، والتشويه الإعلامي المتعمد. لا أحسد مشاهير الإعلام الاجتماعي في الداخل المحتل، فعليهم انتقاء ألفاظهم بحرص شديد، ولا يشفع لهم محتواهم العميق، فمن السهل أن يتم وصمهم بمعاداة السامية، أو الترويج للعنف، أو حتى اختيار طريق للمقاومة ربما لا يحلو لآخر يشاركهم نفس الخندق! كل ذلك “يضبّب” الخطوط بين التقرير الموضوعي والتفسير الذاتي.

ولا يخفى على أحد أثر ظهور الإعلام “المستقل” واستخدامه منصات الإعلام الجديد بترسانتها من الخوارزميات، وقدرتها اعلى إنفاذ مصالح حكومات ومراكز أعمال وأولويات الـ “الدولة العميقة للعالم”.

تقود دولة الاحتلال حملات إعلامية متطورةـ تسخر كل ما هو متاح، وربما ما ليس متاحاً للعموم مثل مزارع الترويج، لتبرير وجودها على أرض الغير. وتسعى ليس فقط لتقديم ما يعارض السرد الفلسطيني، ولكنها في بعض الأحيان تقدم نسخًا مشوهة من الأحداث، معيدة تشكيل التصورات وأحيانًا تقديم الأكاذيب كحقائق تعرض صورة للمنطقة تتجاهل تماماً الإشارات إلى التاريخ الفلسطيني، وتشكل سرداً يدعم مزاعمها في الأحقية. وهي أنشطة نشاهدها بشكل جلي خلال مواسم الانتخابات، محاولة تشويه الإدراكات والتلاعب بمشاعر الناخبين. ولا يدري الناخب هل ما يعرض له معلومات حقيقة أم دعاية منظمة. والمثال الأخطر، هو في الدعاية الحربية. لم يعد مقبولاً لنا عرباً أو غربيين “وربما غربيين بشكل أخص” أن نأخذ ما يعرض علينا بناءً على قيمته الإسمية، معتمدين على أسماعنا وأبصارنا، نحن ملزمون كمتلقين للمعلومة بالاستفسار والتحقق والرجوع إلى المصادر، مهمة تتزايد تعقيداً كل يوم، وتتطلب كثيراً من الجهد والعناية، وتفرض علينا ضغطاً نفسياً مصدره أننا نعيش في كذبة كبيرة، ونتنفس هواءً ملوناً بالخداع وعلينا أن نتبع نهجاً ديكارتياً في تعاطينا مع كل شيء حولنا!

في وسط هذه الفوضى التي تتداخل فيه حدود الواقع والزيف باستمرار، يحاول الفلسطيني تقديم روايته للعالم، أصبح مضطراً أن يعبئ ترسانته بأسلحة إعلامية، بشكل استراتيجي لا تكتيكي فقط، أمر أصبح ضرورة لا رفاهية في عالم تُخرس فيه أصواتهم أو تُشوه، يصنف أدبهم في رفوف اليسارية المنتهية الصلاحية، يتم إزالة فنهم من أروقة المتاحف، يُمنع أدباؤهم من المشاركة في الجوائز العالمية، وتصنف حسابات ناشطيهم على أنها تروج للإرهاب. من الضروري بالنسبة للفلسطينيين أن يمارسوا لعبة الكلمات، فهي الذخيرة الأساسية لتعبئة آلة الإعلام. خذ على سبيل المثال مصطلح الإرهاب، الذي قدم في المعاجم اللغوية والفنية، تعريفاً فضفافاً احتوى فيما احتوى حق الشعوب في تقرير مصيرها، المقاومة المشروعة للشعوب تحت الاحتلال ووصم كل طفلٍ يحمل حجراً بالتخريب. حرب الكلمات التي جعلت الشهداء ضحايا، المستبد دولة، والمجتمع الدولي نظاماً مستنداً للقواعد؛ القواعد التي يضعها الأقوياء، ويغيرونها بين الشوطين حسب مجريات اللعبة. اللعبة ليست سهلة، والخصم ليس شريفاً، والإطار الاشتباكي هنا، ليس مجرد ادعاء مساحةٍ للحديث وتقديم محتوىً، بل حرب على تغيير قواعد اللعبة، وهذه مهمة انتحارية!

كما يواجه الصحفيون الموجودون على الأرض تحديات هائلة، إلى جانب التهديدات البدنية التي يتعرضون لها، -والتي لم يعودوا في إطارها مجرد أضرار جانبية، بل، وفي العديد من الحالات؛ هدفاً متحركاً-، إلى العبء العاطفي لمشاهدتهم بشكل مباشر المعاناة البشرية، إلى البحث عن -وعرض- الحقيقة بصورتها الخام إلى الواجهة، ومحاولة تقديم سرد متوازن، خالٍ من المصالح الحكومية أو الفئوية. كما آلمنا مقتل شيرين أبو عاقلة، استمر الوجع بمشاهدة وجوه العديد من الصحفيين الذين ألفنا أصواتهم وطلاتهم على شاشات بيوتنا، بصور ميتة ووشاح أسود على الزاوية، أعداد صور الصحفيين بالوشاح الأسود يتزايد كل يوم، ويجعلنا نتساءل إذا ما سيبقى أنبياءٌ للحقيقة مستعدين لخسارة أرواحهم لينقلوا أصوات وصور المعاناة في المناطق الساخنة. 

إكراماً لأرواح الصحفيين الأبطال، وللناس العاديين الذين كانوا ينتظرون وجبة في المساء أو جرعة علاج عاجلهم إليها “انفجار ما”، نطلب من أصدقائنا في العالم الأبيض، وشركائنا في الجنوب الدولي، استهلاكاً نقدياً؛ معالجة ما يعرض عليكم بجرعة صحية من الشك، وأن تنوعوا مصادركم لكي لا تكونوا ضحية لأيدولوجيات جماعات أو دول. أن تتحققوا قبل قبول المعلومات كحقائق مسلم بها، أو مشاركتها. تقدم مواقع مثل snopes  أو Factcheck.org السياق والمصادر والمنهجية وراء التحققات التي قد تحتاجونها لغربلة المحتوى. أرجوكم ان تتساءلوا للحظة، ما هو لون انحياز المصادر التي تتابعونها؟ ما هي مصالحها؟ كم بقي للانتخابات؟ تابعوا الخبراء لا المتحمسين! انظروا مجدداً إلى الصورة، عدّوا الأصابع على يد الشخص في الصورة، أنظروا مطولاً في عيونهم؟ هل تبدو حية حقاً؟ هل تتناسق الأنماط وتدرجات اللون مع الظلال؟… لا تحتاج لتطبيقات متطورة لترى هذه التفاصيل! إدراك العوائق المحتملة في مشهدنا الإعلامي الغني هو الخطوة الأولى. من خلال تطوير نهجٍ شخصي فعّال في اعتماد واستهلاك الأخبار، يمكن للقراء تجهيز أنفسهم لفصل الغث من السمين، بينما يظلون على دراية ووعي بما يحدث في العالم.

إنها عتمة حالكة من التضليل، فلنفتح أعيننا لعلنا نأنس نارا.

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال تعبر عن كتّاب المقالات، ولا تعبر بالضرورة عن آراء الموقع وإدارته.